القلق من الموت والدفاعات المجتمعية والنفسية ضده

القلق من الموت والدفاعات المجتمعية والنفسية ضده
(اخر تعديل 2024-05-12 05:00:19 )
بواسطة

ما هو قلق الموت؟

قلق الموت - المعروف رسمياً بالفوبيا من الموت - هو خوف من موت الفرد أو عملية الموت، ويختلف عن "النيكروفوبيا"؛ وهي الخوف العام من الأشخاص الميتين أو الأشياء الميتة.

يأتي مصطلح "ثانتافوبيا" من الكلمات اليونانية "ثاناتوس" التي تُترجَم إلى الموت، و"فوبوس" التي تُترجَم إلى الخوف، بينما لا يُعَدُّ قلق الموت حالة رسمية في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية - الإصدار الخامس (DSM-5) - لكن يمكن عَدُّه فوبيا محددة.

أعراض قلق الموت:

قلق الموت هو واحد من أكثر المخاوف شيوعاً، ومع ذلك، قد لا تكون مشاعرك السلبية أو عدم الراحة تجاه فكرة الموت هي فوبيا كاملة، فكيف يمكنك معرفة الفارق؟ نظراً لعدم عَدِّ قلق الموت حالة في (DSM-5)، يمكن استخدام معايير الفوبيا المحددة لتحديد ما إذا كان خوفك من الموت هو فوبيا.

تتضمن تلك المعايير:

  • أن تستمر لأكثر من 6 أشهر.
  • أن تؤثر في الحياة اليومية والعلاقات.
  • أن تظهر في كل مرة يتم فيها ذكر موضوع الموت.
  • أن تؤدي إلى تجنب أي موقف يتضمن الموت.
  • إذا كنت في موقف قد يثير القلق، فقد تظهر الاستجابات الجسدية مثل:

  • عدم الراحة العامة.
  • صعوبة في التنفس أو مشكلات التنفس.
  • الغثيان.
  • الصداع.
  • زيادة معدل ضربات القلب.
  • الانزعاج.
  • لكن قد يختبر المصاب بقلق الموت الأفكار والمشاعر الآتية:

    • التفكير المستمر في الموت، التركيز المستمر على فكرة الموت، سواء عموماً أم بخصوص الذات أم الأحباء.
    • القلق المستمر، قد يكون الشعور بالتوتر والقلق الدائم مؤشراً لقلق الموت.
    • التجنب، تجنُّب الحديث أو التفكير في الموت، والابتعاد عن الموضوعات ذات الصلة.
    • الأعراض الجسدية، مثل الأرق، والتعب، والتشنجات العضلية، والصداع، التي قد تكون نتيجة للقلق المستمر.
    • الانعزال الاجتماعي، تجنُّب النشاطات الاجتماعية أو الانسحاب من العلاقات الاجتماعية بسبب القلق المرتبط بالموت.
    • تغييرات في السلوك، مثل تعاطي المخدرات أو الكحول، أو التغييرات المفاجئة في العادات الغذائية.
    • التفكير المهووس بالصحة، الانشغال المفرط بالقلق بشأن الحالة الصحية والبحث المستمر عن أعراض المرض.

    قد يساعد تحديد الأسباب الجذرية للقلق من الموت والتحدث مع محترف نفسي على إدارة هذا الشعور بشكل فعال.

    ما هي أسباب قلق الموت؟

    لا يوجد سبب محدد لقلق الموت، لكن قد تسهم عوامل عدة في هذا الشرط، ومنها:

    1. التأثيرات الاجتماعية:

    في استعراض حديث، تم ذكر الدين بوصفه سبباً محتملاً لقلق الموت وبوصفه وسيلة للعثور على الراحة منه، وبالنسبة إلى بعض الأشخاص، فإنَّ فكرة الموت بوصفه وسيلة للحرية ولقاء "الله" أو الإله الذي يؤمنون به تجلب لهم الراحة، أما بالنسبة إلى آخرين، فإنَّ فكرة دفع تعويض عن السلوك على الأرض تثير هذا القلق.

    2. تجارب الحياة:

    بالنسبة إلى بعض الأشخاص، قد تؤدي تجربة أحداث مؤلمة إلى قلق الموت، فقد يكون ذلك نتيجة فقدان أحد الأحباء أو تجربة القرب من الموت.

    3. الحالات الصحية النفسية:

    يمكن ربط هذه الفوبيا الخاصة بعدد من الحالات الأخرى، وفي دراسة أُجريت سابقاً، أشار الباحثون إلى قلق الموت بوصفه بنية عابرة للتشخيص؛ وذلك لأنَّهم وجدوا أنَّ الموت كان في جذور عدد من الحالات الصحية النفسية الأخرى، وخاصةً اضطرابات الهلع.

    تشمل الاضطرابات الأخرى التي قد يكون قلق الموت مرتبطاً بها:

    شاهد بالفديو: كيف نتجاوز فقدان شخص عزيز؟

    الدفاعات المجتمعية ضد قلق الموت:

    الدفاعات المجتمعية ضد قلق الموت هي الوسائل التي يتعامل بها الأفراد مع الخوف من الموت عبر التماهي مع مجموعات، أو مؤسسات، أو معتقدات تمنحهم إحساساً بعدمية الهلاك والأمان، وتشمل بعض الدفاعات المجتمعية المشتركة:

    1. القومية والتطرف:

    يميل الناس إلى تعظيم قادتهم، وتطوير التفاني اللاواعي لقضايا معينة، وإدراك وطنهم وسياساته على أنَّها أفضل من غيرها في البحث اللامتناهي عن الخلود والأمان، كما يتصورون أنَّهم سيظلون أحياء بوصفهم جزءاً من شيء أكبر سيستمر بعد رحيلهم.

    2. الديانة:

    يلتمس الناس الراحة في الإيمان الديني الذي يقدِّم تخفيفاً جزئياً من الخوف الوجودي والوعي بالوحدة، كما يأملون في حياة آخرة أو قيامة تتغلب على الموت.

    3. الانسجام:

    يتبع الناس قوانين وقيم مجتمعهم وثقافتهم، ويتجنبون التعبير عن فرادتهم أو آراء معارضة، ويحاولون أن يتلاءموا مع الأغلبية ويتجنبون أن يتم استبعادهم أو رفضهم.

    هذه الدفاعات المجتمعية قد تكون لها آثار إيجابية وسلبية، فمن ناحية، قد توفِّر شعوراً بالانتماء والأمان والمعنى لحياة الأفراد، ومن ناحية أخرى، قد تؤدي أيضاً إلى وجهات نظر مسبقة وعداء وعدوانية تجاه الآخرين الذين يختلفون أو يهددون عالمهم النظري؛ لذا من الهام أن نكون على علم بالدوافع النفسية وراء هذه الدفاعات وأن نشكك في صحتها وعقلانيتها.

    إقرأ أيضاً: الموت أمر لا مفر منه، تعلم ألا تخشاه

    الدفاعات النفسية ضد قلق الموت:

    تشمل الدفاعات النفسية ضد قلق الموت:

    أولاً: الإنكار

    • التجاهل: تجاهل فكرة الموت أو تجاهل أي مؤشرات تدل عليه.
    • التحول: تحويل انتباه الفرد إلى جوانب إيجابية من الحياة لتجنب التفكير في الموت.

    ثانياً: الفكاهة والتهكم

    • استخدام الفكاهة: استخدام النكات أو الهزل بوصفها وسيلة للتخفيف من التوتر المرتبط بالموت.

    ثالثاً: التكنولوجيا والانشغال

    • الانشغال بوسائل التكنولوجيا: التفاعل المكثف مع وسائل التكنولوجيا لإشغال العقل بأمور أخرى وتشتيت الانتباه.

    رابعاً: الإيمان والدين

    • الاعتماد على الدين: يستخدم بعض الناس الإيمان الديني بوصفه وسيلة للطمأنة وتقبُّل فكرة الموت بوصفه جزءاً من الرحلة الروحية.

    خامساً: التحول الاجتماعي

    • التركيز على الإرث: يقلل التفكير في الإرث وتأثير الشخص في العالم من القلق من الموت.

    سادساً: النشاط البدني

    • ممارسة الرياضة: يساعد النشاط البدني على تحسين المزاج وتخفيف التوتر.

    سابعاً: البحث عن المعنى

    • البحث عن هدف: يخفف العمل على تحديد الأهداف والمعاني الشخصية في الحياة من القلق المرتبط بالموت.

    يساعد تحديد الدفاعات النفسية الأفراد على فهم كيفية تعاملهم مع قلق الموت وكيفية تحسين استجاباتهم له.

    شاهد بالفديو: ما يقال في التعزية والمواساة

    العلاقة بين تقنيات الدفاع ضد قلق الموت ونظرية إدارة الإرهاب:

    نظرية إدارة الإرهاب (TMT) هي نظرية نفسية تقترح أنَّ البشر يتعاملون مع وعيهم بخصوصية موتهم عبر إنشاء والحفاظ على منظومة النظر الثقافية إلى العالم، وهي مجموعة من المعتقدات والقيم التي تضفي معنى وهدفاً على الحياة.

    وفقاً لنظرية إدارة الإرهاب، فإنَّ قلق الموت قد يكون مصدراً محتملاً للضغط النفسي الذي يمكن تقليله عبر ثلاث آليات دفاعية رئيسة؛ وهي الدفاع عن منظومة النظر إلى العالم، وتعزيز الثقة بالنفس، وتكوين علاقات وثيقة.

    يتمثل الدفاع عن منظومة النظر إلى العالم في تأكيد اتجاه الفرد نحو منظومته النظرية الثقافية والاستهزاء أو تجنب أولئك الذين يتحدونها أو يهددونها، على سبيل المثال، قد يُظهِر الناس مزيداً من الوطنية، أو الإيمان الديني، أو الاقتناع الأخلاقي بعد تذكيرهم بوجود الموت.

    تعزيز الثقة بالنفس هو عملية تعزيز قيمة الذات وصورة الذات عبر تحقيق أو تجاوز معايير منظومة النظر إلى العالم، على سبيل المثال، قد يسعى الناس إلى الحصول على مزيد من التقدير، أو التحقيق، أو التوثيق بعد تذكيرهم بوجود الموت.

    تكوين علاقات وثيقة هي إقامة أو تعزيز روابط مع الأفراد الهامين الذين يشاركون الفرد نظرته الثقافية ويوفرون الدعم العاطفي، على سبيل المثال، قد يسعى الناس إلى الحصول على مزيد من الحميمية، أو الانتماء بعد تذكيرهم بوجود الموت.

    تُعَدُّ هذه الآليات الدفاعية نظاماً يقوم بتخفيف القلق والتوتر المرتبط بالموت، ويساعد الأفراد على الحفاظ على رفاهية نفسية، ومع ذلك، قد تكون لديها أيضاً عواقب سلبية، مثل التعصب، والتحامل، والعداء، والنرجسية، أو التبعية؛ لذا تقترح نظرية إدارة الإرهاب أنَّ العثور على توازن بين هذه الآليات الدفاعية وتطوير وسائل بديلة للتعامل مع قلق الموت، مثل الانتباه الكامل، والعلاج الوجودي، أو تكوين المعنى، قد يكون مفيداً للأفراد والمجتمع.

    في الختام:

    يبرز قلق الموت بوصفه تحدياً يواجه الإنسان طوال حياته، وقد تطرقنا إلى الدفاعات المجتمعية والنفسية التي يتبناها الأفراد للتغلب على هذا القلق، فمن خلال التماهي مع المجتمع، واللجوء إلى الديانة، وتعزيز الثقة بالنفس، يسعى البشر إلى إدارة هذا الخوف العميق من الموت.

    مع أنَّ هذه الآليات الدفاعية قد توفِّر الراحة والأمان، إلا أنَّها قد تكون ذات تأثيرات سلبية في المستوى الفردي والاجتماعي، وتظهر أهمية التوازن بين هذه الآليات والبحث عن أساليب بديلة لمواجهة قلق الموت، مثل الانتباه الكامل، والعلاج الوجودي، والبحث عن المعنى.

    يعكس تفهُّمنا لهذه العملية الطبيعية والتعامل الصحيح معها جوانب أكثر نضجاً وتقبُّلاً لحقيقة الموت بصفته جزءاً لا يتجزأ من رحلة الحياة، ففي سعينا إلى تجاوز هذا القلق، قد يؤدي الفهم العميق لعمق الوجود وبحثنا عن المعنى دوراً حيوياً في بناء حياة تعطي قيمة وغنى لكل لحظة نعيشها.