هل أنت شخص واقعي؟

هل أنت شخص واقعي؟

ملاحظة: هذا المقال مأخوذٌ عن المدونة "إرين فالكونر" (ERIN FALCONER)، وتُحدِّثنا فيه عن كونك شخصاً واقعياً.

كنت أحدق في مديري الإقليمي وأنا غير قادرة على تصديقه، ولم يعد بإمكاني سماع الكلمات التي يقولها لأنَّني كنت ساخطة عليه وعلى الشركة وحتى على نفسي، فكيف يمكن أن يحدث هذا لي؟ وكيف يمكن رفضي لبرنامج التطوير الإداري في حين أنَّني حصلت على وعد بالانضمام إليه إذا حققت أهدافاً معينةً، وها أنذا قد حققتها؟

بينما كنت أحاول استيعاب ما كان يحدث، سمعته يقول فكرةً أخيرةً قبل أن ينتهي الاجتماع متجاهلاً وجودي تماماً: "أنتِ مجرد شخص سلبي ومتشائم للغاية، فحاولي تغيير ذلك فيكِ، ويمكننا التحدث مرةً أخرى بعد ستة أشهر عندما يُعاد البرنامج".

أنا شخص واقعي ولست متشائماً:

أنا شخص متشائم جداً، هل كان مديري جاداً فيما قاله؟ لم أكن متشائمةً على الإطلاق، ولطالما كنت واقعيةً، وصحيح أنَّني كنت الشخص الذي يشير إلى الأمور السلبية في أي اجتماع، لكن كل شركة تحتاج إلى موظفين يكونون موضوعيين ويشيرون إلى العيوب ولا يوافقون على كل ما تقترحه الإدارة العليا، ولذلك كنت فخورةً بنفسي.

خلال الأيام القليلة التالية، ونتيجةً لما قيل لي، كنت أتذمر وأشتكي إلى الجميع حول سوء معاملتي، ولم تكن الردود جيدة كما اعتقدت لأنَّني لم أحصل على أي تعاطف من الآخرين، وفي الواقع، حدث خلاف ما توقعته تماماً، ففي كثير من الحالات كان بعض الناس يُظهِرون لي عدم المبالاة وبعضهم يضحكون بصوت عالٍ قائلين: "ماذا كنتي تتوقعين؟".

شاهد بالفديو: أقوال وحكم رائعة عن التفاؤل في الحياة

رؤية نفسي كما كان يراني الآخرون:

لقد كنت مذهولةً حقاً، وبدأت أرى نفسي كما يراني الآخرون، وبحسب مؤشر "مايرز بريجز" (Myers-Briggs)، يميل الناس إلى التفكير في أنفسهم على أنَّهم ينتمون إلى واحد من ثلاثة أنواع مختلفة من الشخصيات؛ إما يرون أنفسهم متفائلين أو واقعيين أو متشائمين.

عندما أتحدث إلى مجموعات، غالباً ما كنت أبدأ الأمور من خلال مطالبة الناس برفع أيديهم للإشارة إلى المجموعة التي يعتقدون أنَّهم ينتمون إليها، وعادةً ما يكون الانقسام على أساس الشعور بأنَّهم متفائلون وواقعيون ومتشائمون.

بالطبع هذه الإحصائية غير دقيقة؛ وذلك لأنَّ قلة من الناس يحبون رفع أيديهم وقول إنَّهم أشخاص متشائمون، ومن واقع خبرتي، نادراً ما يكون فعل ذلك يمثل خطوةً مهنيةً جيدةً، ومع ذلك، إنَّه سؤال صعب؛ لأنَّه بحسب رأيي لا يوجد سوى مجموعتين فقط من الأشخاص (المتفائلون والمتشائمون).

الواقعية ضرب من الخيال:

ألقِ نظرةً حولك في الوقت الحالي وستلاحظ أنَّ بعض الأمور كانت تُعَدُّ في الماضي غير واقعية تماماً وغير مقبولة، مثل الجهاز الذي تستخدمه لقراءة هذا المقال، فكل إنجاز كبير حدث في تاريخ البشرية كان في وقت ما غير واقعي؛ إذ يمتلئ التاريخ بكثير من الواقعيين الذين يساعدون الأشخاص المتفائلين من خلال الإشارة إلى أخطائهم وبأنَّهم يُضِّيعون وقتهم.

لحسن الحظ، يميل الأشخاص المتفائلون إلى عدم الإصغاء إلى واقعية هؤلاء، وإلا لكنَّا ما نزال نعيش في الكهوف ونرتدي ملابس الإنسان في العصر الحجري، فإذا كنت ما تزال غير مقتنع وتعتقد بأنَّك شخص واقعي، فدعني أشرح لك أكثر.

ما هو مدى واقعيتك؟

فكر في آخر 5 أمور كنت قلقاً بشأنها، ما الذي تحقق منها؟ أعتقد أنَّك إذا كنت تشبه الغالبية العظمى من عملائي، فقد تحقق معك إما أمر واحد أو لم يتحقق شيء أبداً، وحتى لو كان تحقق أمر واحد، فأنا أشك في أنَّه كان بدرجة الصعوبة التي كنت تتوقعها، إذاً، ما هو مدى واقعية قضاء معظم وقتك في القلق بشأن الأمور التي لا تحدث أبداً، وإذا حدثت، كيف ستتعامل معها؟

بعد فترة وجيزة من نكستي هذه، قرأت كتاب "تعلَّم أن تكون متفائلاً" (Learned Optimism) للكاتب "مارتن سيليغمان" (Martin Seligman) وبدأت الأمور تبدو منطقيةً، فقد أدركت أنَّ نوع الواقعية لديَّ لم يكن مجرد استنزاف للأشخاص من حولي وعبئاً ثقيلاً على مسيرتي المهنية؛ وإنَّما كان له أيضاً مجموعة من المشكلات النفسية والصحية السلبية المرتبطة به.

قليلاً ما يمرض الأشخاص المتفائلون، كما أنَّهم يكونون أكثر نجاحاً في حياتهم المهنية، ويكسبون مزيداً من المال، ويكونون أكثر سعادةً ويعيشون فترة أطول، وليس هذا فقط، فعلى الرغم من أنَّ جيناتنا تحدد مستويات سعادتنا عند الولادة، إلا أنَّه يمكن لأي شخص أن يتعلم التفاؤل، ومن ثمَّ يكون أكثر سعادةً، فإذا كان الأمر كذلك، فإنَّ الإرادة موجودة.

لماذا لم يخبرني أحد بهذا من قبل؟

لقد مرت أكثر من 10 سنوات منذ أن أجريتُ تلك المحادثة مع مديري، وبالكاد مر يوم لم أفعل فيه شيئاً لمساعدة نفسي لأكون شخصاً أكثر سعادةً وتفاؤلاً، وسأكون كاذبةً إذا قلت إنَّ الأمر كان سهلاً؛ لأنَّ الحياة لا تسير على هذا النحو، ومع ذلك، يسعدني أن أقول إنَّني الآن الشخص الذي يبحث عن حلول، وليس الشخص الذي يبحث عن المشكلات، وأنا ممتنة لأنَّ مديري ساعدني على إدراك أنَّني بحاجة إلى شراء سرج؛ لأنَّه على الرغم من أنَّني لم أصدق ذلك حينها، إلا أنَّني تأكدت ما من مؤامرة تُحاك ضدي.