الفجيعة: الحزن على فقدان من تحب

الفجيعة: الحزن على فقدان من تحب
(اخر تعديل 2024-02-16 05:14:14 )
بواسطة

سواء كان ذلك صديقاً مقرباً أم زوجاً أم شريكاً أم والداً أم طفلاً أم قريباً آخر، فإنَّ وفاة أحد أفراد أسرتك قد تشعرك بالانهيار، وقد تواجه موجات من المشاعر الشديدة والصعبة للغاية بدءاً من الحزن العميق والفراغ واليأس إلى الصدمة أو التبلد أو الشعور بالذنب أو الندم، وقد تكون غاضباً من ظروف وفاة أحد أفراد أسرتك فتركز غضبك على نفسك أو على الأطباء أو على أحبائك الآخرين، كما قد تجد صعوبة في قبول وفاة الشخص أو تكافح لترى كيف يمكنك التعافي والمضي قدماً من خسارتك.

لا تقتصر الفجيعة على الاستجابات العاطفية أيضاً، فقد يؤدي الحزن على وفاة أحد الأحباء إلى ردود فعل جسدية، بما في ذلك تغيرات الوزن والشهية وصعوبة النوم والآلام وضعف جهاز المناعة الذي يؤدي إلى المرض ومشكلات صحية أخرى، كما يؤدي مستوى الدعم الذي تحظى به من حولك وشخصيتك ومستويات صحتك ورفاهيتك دوراً في كيفية تأثير الحزن فيك بعد الفجيعة.

بصرف النظر عن مقدار الألم الذي تشعر به الآن، فمن الهام أن تعرف أنَّ هناك طرائق صحية للتعامل معه والتعامل مع حزنك، وعلى الرغم من أنَّ الحياة قد لا تكون أبداً كما كانت مرة أخرى، إلا أنَّه مع مرور الوقت يمكنك تخفيف حزنك والبدء بالتطلع إلى المستقبل بأمل وتفاؤل، وفي النهاية المضي قدماً في حياتك.

فيما يأتي سنتعرف إلى أنواع الفجيعة وطرائق تدبيرها، فتابعوا معنا.

فهم حزن فقدان أحد أفراد أسرتك:

غالباً ما تعتمد شدة مشاعرك على ظروف وفاة أحد أفراد أسرتك ومقدار الوقت الذي قضيته في توقع خسارته وعلاقتك به وتجاربك السابقة في الفجيعة، وتماماً كما لا توجد علاقتان متماثلتان، لا توجد خسارتان متماثلتان أيضاً، وباختصار كلما كان الشخص أكثر أهمية في حياتك وكلما زادت مشاعرك تجاهه - بصرف النظر عن علاقته بك - زاد التأثير المحتمل لخسارته.

فقدان الزوج أو الشريك:

إضافة إلى التأثير العاطفي للحزن، عندما تفقد زوجاً أو شريكاً رومانسياً غالباً ما يتعين عليك التعامل مع ضغوطات العوامل العملية مثل ترتيبات الجنازة والقضايا المالية أيضاً، وقد تضطر أيضاً إلى شرح وفاة زوجتك لأطفالك وإيجاد طريقة لتهدئتهم بينما تتعامل في نفس الوقت مع ألم قلبك.

يعني فقدان شريك رومانسي أيضاً الحزن على فقدان نمط حياتك اليومي وفقدان التاريخ المشترك وفقدان المستقبل المخطط له معاً، فقد تشعر بالوحدة واليأس والقلق بشأن المستقبل، وقد تشعر بالذنب لأنَّك فشلت بطريقة ما في حماية شريكك أو الغضب ممن تحب لتركه إياك.

شاهد بالفديو: كيف نتجاوز فقدان شخص عزيز؟

فقدان أحد الوالدين:

بالنسبة إلى الأطفال الأصغر سناً قد يكون فقدان الأم أو الأب أحد أكثر الأشياء التي يمكنها إحداث صدمة في الطفولة؛ إذ يمكن لموت الشخص الذي اعتمدت عليه والذي أحبك دون قيد أو شروط أن يهز أساساتك ويترك فراغاً هائلاً ومخيفاً في عالمك، ومن الشائع أيضاً أن يلوم الأطفال الصغار أنفسهم على وفاة أحد الوالدين، وهذا يطيل من آلام الحزن، وحتى عندما تكون ابناً بالغاً فقد يكون فقدان أحد الوالدين أمراً محزناً للغاية.

من السهل أن تشعر بالضياع وأن تعود كل تلك المشاعر القديمة فجأة، وقد تكسب بعض العزاء إذا كان والداك قد عاشا حياة طويلة ومرضية، ولكنَّ موتهما قد يدفعك أيضاً إلى التفكير في موتك، فإذا فقدت كلا والديك، فأنت فجأة تشعر بأنَّك أصبحت جزءاً من الجيل الأكبر سناً؛ جيل بلا أبوين، وما يزال عليك أن تحزن على شبابك أيضاً، وإذا لم تكن علاقتك بوالديك سهلة، فإنَّ موتهما قد يجعلك تتصارع مع مجموعة من المشاعر المتضاربة.

فقدان طفل:

إنَّ فقدان طفل أمر مدمر دائماً، فأنت لا تخسر جزءاً منك فحسب؛ بل تفقد أيضاً سنوات الوعد والآمال والأحلام التي تنتظرها، فقد يكون الحزن أكثر حدة، ويكون سير عملية الفجيعة أكثر صعوبة، وتكون الصدمة أكثر وطئاً، وبصفتك أحد الوالدين فإنَّك تشعر بالمسؤولية عن صحة طفلك وسلامته، لذلك غالباً ما يكون الشعور بالذنب غامراً.

سواء فقدت طفلك في حالة إجهاض أم عندما كان رضيعاً أم بعد أن كبر وغادر المنزل، فإنَّ فقدان الطفل يُحمَّل وزناً إضافياً من الحزن، ومن غير الطبيعي أن يعيش أحد الوالدين أكثر من طفلهم، وهذا يجعل من الصعب جداً العثور على المعنى والتعامل مع وفاته، وقد يؤدي فقدان طفل أيضاً إلى ضغوطات كبيرة على علاقتك بزوجك أو شريكك ويجعل الأبوة والأمومة لأي طفل آخر على قيد الحياة تحدياً عاطفياً مطلقاً.

فقدان صديق:

تجلب الصداقات الحميمة الفرح والتفاهم والراحة في حياتنا، وفي الواقع إنَّها ضرورية لصحتنا ورفاهيتنا، لذلك فلا عجب أن نشعر بالحزن الشديد عند فقدانها، فعندما يموت صديق مقرب، من السهل أن تشعر بالتهميش؛ إذ إنَّ علاقة القرب بين الأصدقاء بنظر المجتمع لا تقارن بأيَّة علاقة أخرى كالعائلة أو الزوج، وقد يؤدي هذا إلى ما يسمى بالحزن المحروم؛ إذ يتم التقليل من قيمة خسارتك والاستخفاف أو النقد وإصدار الأحكام أو الوصم لشعورك بالخسارة والحزن بعمق.

فقدان شخص ما بسبب انتحار:

قد تبدو الصدمة التي تعقب الانتحار ساحقة، إضافة إلى الحداد على فقدان من تحب، فقد تكافح أيضاً للتصالح مع طبيعة وفاته والوصمة التي تحيط بالانتحار، بينما قد تجول دائماً بعض الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها حول انتحار أحد أفراد أسرتك، إلا أنَّ هناك طرائق لحل حزنك وحتى الحصول على مستوى معين من القبول.

شاهد بالفديو: 6 نصائح لتتجاوز وفاة شخص عزيز عليك

الحزن على خسارتك:

مهما كانت علاقتك بالشخص الذي مات، من الهام أن تتذكر أنَّنا نحزن جميعاً بطرائق مختلفة، فلا توجد طريقة واحدة للاستجابة، وعندما تفقد شخصاً هاماً في حياتك، فلا بأس أن تشعر بما تشعر به؛ إذ يعبِّر بعض الناس عن آلامهم بالبكاء، وبعضهم الآخر لا يذرف دمعة أبداً، لكن هذا لا يعني أنَّهم يشعرون بحزن أقل منك.

لا تحكم على نفسك، لكن يجب أن تتصرف بطريقة مختلفة أو تحاول فرض جدول زمني على حزنك؛ إذ إنَّ الحزن على موت شخص ما يستغرق وقتاً، وبالنسبة إلى بعض الأشخاص يتم قياس هذا الوقت بالأسابيع أو الأشهر، وبعضهم الآخر بالسنوات.

اسمح لنفسك بالشعور، فقد تؤدي عملية الفجيعة والحداد إلى العديد من المشاعر الشديدة وغير المتوقعة، ولكنَّ ألم حزنك لن يزول بشكل أسرع إذا تجاهلته أو كبتَّه، وفي الواقع قد تؤدي محاولة القيام بذلك إلى تفاقم الأمور على الأمد الطويل، ولإيجاد طريقة للتأقلم مع خسارتك في النهاية، ستحتاج إلى مواجهة الألم بفاعلية، وعلى حد تعبير مستشار الفجيعة والكاتب "إيرل جرولمان" "العلاج الوحيد للحزن هو الحزن".

لا ينتقل الحزن دائماً عبر مراحل، وربما تكون قد قرأت عن "مراحل الحزن" المختلفة التي هي الإنكار والغضب والمساومة والاكتئاب والقبول، ومع ذلك يجد الكثير من الناس أنَّ الحزن بعد وفاة أحد الأحباء لا يمكن التنبؤ به تقريباً، وبالنسبة إلى بعض الناس قد يأتي الحزن على شكل موجات عاطفية متفاوتة، أما بالنسبة إلى الآخرين قد يمر عبر بعض مراحل دون أخرى.

لا تعتقد أنَّ عليك أن تشعر بطريقة معينة في وقت معين، واستعد للذكريات المؤلمة، ففي بعض الأيام قد يبدو ألم الفجيعة أسهل من غيره، ثم يمكن لذكرى معينة مثل صورة أو مقطوعة موسيقية أو موقف بسيط أن يؤدي إلى موجة من المشاعر المؤلمة مرة أخرى، بينما لا يمكنك التخطيط مسبقاً لمثل هذه التذكيرات، يمكنك الاستعداد لذكرى سنوية أو عيد ميلاد قد يجدد حزنك، فتحدث إلى الأصدقاء والعائلة الآخرين مسبقاً واتفق على أفضل الطرائق للاحتفاء بمثل هذه المناسبات.

تدبير الفجيعة:

عندما تفقد شخصاً تحبه، فمن الطبيعي أن ترغب في عزل نفسك عن الآخرين والتراجع إلى قوقعتك، لكن هذا ليس وقت أن تكون وحيداً، وحتى عندما لا تشعر بالقدرة على التحدث عن خسارتك، فإنَّ مجرد الوجود مع أشخاص آخرين يهتمون بك يمكنه أن يوفر الراحة ويساعد على تخفيف عبء الفجيعة.

قد يكون الوصول إلى أولئك الذين يهتمون لأمرك أيضاً خطوة أولى هامة على طريق التعافي، بينما قد يكون بعض الأصدقاء والأقارب غير مرتاحين لحزنك، وسيكون الكثير من الآخرين حريصين على تقديم الدعم، فالحديث عن أفكارك ومشاعرك لن يجعلك عبئاً، وبدلاً من ذلك قد يساعدك على فهم موت من تحب وإيجاد طرائق لتكريم ذكراهم.

1. الاعتماد على الأصدقاء والعائلة:

حتى أولئك الأقرب إليك قد يواجهون صعوبة في معرفة كيفية المساعدة في أثناء فترة الفجيعة، لذلك لا تتردد في إخبار الآخرين بما تحتاجه سواء كان ذلك للمساعدة في ترتيبات الجنازة أم مجرد الوجود للتحدث، وإذا كنت لا تشعر أنَّ لديك أي شخص يمكنك الاعتماد عليه للحصول على الدعم في هذا الوقت الصعب، فابحث عن توسيع شبكتك الاجتماعية وبناء صداقات جديدة.

2. التركيز على "المستمعين الجيدين":

عندما تحزن على فقدان صديق مقرب أو أحد أفراد أسرتك، فإنَّ الشيء الأكثر أهمية هو أن تشعر بأنَّ من تثق بهم يسمعونك، ولكنَّ المشاعر القاسية لحزنك قد تجعل بعض الناس غير مرتاحين للغاية، فهذا الانزعاج ربما يجعلهم يتجنبونك أو يقولون أشياء غير مدروسة أو مؤذية أو يفقدون صبرهم عندما تتحدث عن خسارتك، فلا تستخدم أفعالهم بوصفها سبباً لعزل نفسك؛ بل اذهب إلى أولئك الذين هم أكثر قدرة على الاستماع وتوفير الراحة.

3. الانضمام إلى مجموعات الدعم:

حتى عندما تحصل على دعم من أقربائك، قد لا يعرف الأصدقاء والعائلة دائماً أفضل الطرائق للمساعدة، فقد تساعدك مشاركة حزنك مع الآخرين الذين عانوا من خسائر مماثلة على تقليل الشعور بالوحدة في ألمك، ومن خلال الاستماع للآخرين وهم يشاركون قصصهم، يمكنك أيضاً الحصول على نصائح قيمة للتأقلم.

4. استمداد الراحة من الدين:

إنَّ طقوس الحداد الخاصة بالأديان توفر الراحة وتجمعك مع الآخرين لمشاركة حزنك؛ إذ إنَّ حضور الطقوس الدينية وقراءة القرآن والصلاة أو التأمل أو التحدث إلى أحد رجال الدين يمكنها توفير راحة كبيرة وتساعدك على استخلاص المعنى من وفاة أحد أفراد أسرتك، وغيرها من الطرائق الكثيرة لتدبير الفجيعة.

في الختام:

لا يعني المضي قدماً أن تنسى من تحب؛ إذ إنَّ إيجاد طريقة للمضي قدماً في حياتك لا يعني أنَّ ألمك سينتهي أو ستنسى من تحب، وقد يحمل معظمنا خسائرهم طوال الحياة، فيصبحون جزءاً مما نحن عليه، ويجب أن يصبح الألم أسهل تدريجياً، ولكنَّ الذكريات والحب اللذين كانا لديك تجاه الشخص سيبقيان دائماً.