مشاكل الأسرة الشائعة وكيفية حلها بشكل فعال

مشاكل الأسرة الشائعة وكيفية حلها بشكل فعال

لذا لننظر إلى المشكلات على أنَّها ملح الحياة وأسلوب لتجديد الوداد بين أفراد الأسرة وطريقة ناجحة لصقل شخصية كل فرد من أفرادها وتطوير مهاراته في تقبُّل الآخر والتعامل مع الناس.

في الحقيقة، لا تكمن المشكلة في نشوب مشكلات بين أفراد الأسرة؛ بل المشكلة الحقيقة تكمن في تعاطي الأفراد مع هذه المشكلات، وطرائق تعاملهم معها، فإذا ما كان تعاطي الفرد سواء كان طفلاً أم بالغاً مع المشكلة بأسلوب صحي، استطاع التعلم منها وخرج منها بخبرة حياتية قيِّمة، أما إذا ما كان تعاطي أفراد الأسرة مع المشكلة متعنِّتاً ومتعصباً، فإنَّ هذه المشكلات ستتحول إلى شروخ في الصحة النفسية لأفرادها، وندبات طفولة ستظل آثارها في أرواح الصغار مهما تقدَّموا في العمر.

سوف نتطرق في هذا المقال إلى مشكلات الأسرة الشائعة، ونستعرض معاً كيفية حلها بشكل فعال، لتكون هذه الأحداث أداة في صقل المهارات الاجتماعية للأفراد لا لتدميرها.

تعريف المشكلات الأسرية:

يمكن تعريف المشكلات الأسرية على أنَّها الخلافات التي تنتج عنها علاقات مضطربة بين أفراد الأسرة، وهذه الخلافات ينجم عنها إنشاء جو أسري مشحون ومتوتر بعيد عن الأمان والدفء، وقد تكون المشكلات الأسرية ناتجة عن سلوك معين لأحد أفراد الأسرة، أو نتيجة سوء في التعاطي مع الخلافات بين الزوجين اللذين يُعَدَّان العنصرين الرئيسين المتحكمين بجو الأسرة العام؛ لذا فإنَّ الخلافات بينهما تتصاعد وتتوسع دائرتها لتطال الأبناء، فينقسم الأفراد إلى فريقين، وهذا ما يعقِّد المشكلة ويصعِّب الطريق نحو حلها.

كما أنَّ المشكلات الأسرية قد تكون بين الأبناء بعضهم بعضاً، أو بين الأبوين والأبناء، وفي جميع الحالات فإنَّ المشكلات تُبقي الأسرة في حالة اضطراب وقلق، وتضعف إيمان الأفراد بمؤسسة الأسرة، وتؤثر تأثيراً سلبياً في حميمة الأسرة ومشاعر الانتماء إليها، كما يطال تأثيرها السلبي معتقدات الأبناء عن الزواج والعائلة، وهذا يسهم في التأثير في تصرفاتهم وأفكارهم مستقبلاً.

مشكلات الأسرة الشائعة:

مشكلات الأسرة الشائعة هي مجموعة المشكلات التي تحدث في معظم الأسر، والتي تكون سبباً في إفقاد الأسرة لجوها الحميمي الدافئ وتبديد شعور الأمان داخلها، ومن أبرز مشكلات الأسرة الشائعة نذكر:

1. قلة التواصل:

تُعَدُّ مشكلة قلة التواصل من أبرز مشكلات الأسرة الشائعة، وبصرف النظر عن كونها مشكلة بحد ذاتها، تكون أيضاً نواة لعدد من المشكلات، سواء بين الزوجين أم بين الأبناء أم بين الزوجين والأبناء.

قد يتساءل بعضهم كيف تحدث قلة تواصل بين أفراد أسرة يعيشون تحت سقف واحد ويتناولون من طعام واحد، والجواب يكون أنَّ قلة التواصل لا تعني انعدام الكلام بين الأفراد بقدر ما تعني انعدام التواصل النوعي؛ إذ تكون الأحاديث المتبادلة سطحية ومختصَرة، أو تتناول موضوعات غير هامة مثل شؤون الآخرين دون التركيز على المشكلات والأفكار الشخصية والمشاعر والتجارب التي يمر بها كل فرد من أفراد الأسرة.

قد يعود الأب من عمله غاضباً ويعود الابن المراهق منزعجاً ويعود الطفل من الحضانة مبتهجاً دون أن يتحدث أي منهم للأم التي تكون منهمكة في الأعمال المنزلية أو أي نشاط آخر، وقد يجلس الإخوة في غرفة واحدة دون أن يفتح أحدهم قلبه للآخر ويُطلِعه على ما يدور في رأسه.

على الرغم من كثرة الأحاديث غير الهامة التي قد تُطرَح، إلا أنَّ عدم الحديث عن الذات والمشاعر أو الأحداث التي تدور في المنزل يندرج ضمن قلة التواصل، وهذا من شأنه أن يفكك الأسرة ويجعل اجتماع أفرادها تحت سقف واحد مجرد اجتماع جغرافي فقط.

2. الافتقار إلى الذكاء العاطفي:

للأسف فإنَّ مصطلح الذكاء العاطفي ما يزال مجهولاً بالنسبة إلى كثير من الناس، ولو علم المربون أهمية هذا المصطلح في حياتهم اليومية بصرف النظر عن تسميته، لفعلوا المستحيل من أجل اكتساب مهاراته ونقلها إلى الأبناء.

كم مرة تكرر مشهد عودة الطفل من المدرسة مثلاً يشتكي لأمه أنَّ صديقه قد ضربه، وبدل أن يجد الطفل الأمان والاحتواء والدعم والتشجيع يلاقي اللوم والتوبيخ وتحميله مسؤولية تعرضه للضرب، وهذا ما سيدفع الطفل إلى إخفاء تعرُّضه للضرب مرة أخرى تفادياً للتوبيخ، الأمر الذي يشكل مؤشر خطورة واضحاً، فيعتاد الطفل على إخفاء مشكلاته وتهديدات الآخرين له وابتزازهم، وهذا يقود إلى نتائج لا تُحمَد عقباها.

الأمر سيان بالنسبة إلى جميع أفراد الأسرة الذين يجربون أن يشاركوا عوائلهم بهمومهم، فلا يلقون التعاطف الذي نشدوه، وفوق ذلك يلامون فيصمتون إلى الأبد، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مشاركة الأخبار المفرحة، فبدل أن يحصدوا الاحتفاء الجماعي يلاقون الاستخفاف والتقليل من شأن مناسباتهم.

الافتقار إلى الذكاء العاطفي هو واحد من أشهر المشكلات الشائعة للأسرة، وهو ما يجعل الفرد يقابل الصراخ بالصراخ، فلا وعي يحول رد الفعل إلى استجابة منطقية، ولا تحليل للمشاعر والأفكار يساهم في إدارتها بشكل صحيح.

شاهد بالفديو: 7 مهارات عملية لتحسين الذكاء العاطفي من دانييل جولمان

3. المشكلات المالية:

أما المشكلات المالية فهي أيضاً من مشكلات الأسرة الشائعة، ومن المعروف حسب الأمثال الشعبية أنَّ الفقر ما إن يدخل من الباب حتى يلقي الحب بنفسه من النافذة، فالمشكلة ليست في الفقر بحد ذاته؛ بل بالضيق والتوتر والقلق حيال المستقبل الذي يولده في ذهن الأبوين، إضافة إلى عجزهما عن تلبية احتياجات أبنائهما المادية، فيشعر الأبناء بأنَّهم أقل شأناً من أقرانهم، وهذا يسبب لهم الحرج والانطواء.

قد تتطور تبعات المشكلات المالية إلى شكل أكثر خطورة، كأن تنساق الابنة المراهقة وراء المظاهر الفارهة فتزداد متطلباتها التي تفوق طاقة ذويها فتنشب الخلافات والمشاحنات، أو يستطيع شخص محتال أن يستغلها مقابل المال والملابس ومساحيق التجميل.

4. مشكلات ناتجة عن الجهل بالعلاقات:

توضح التطورات العلمية والنفسية أنَّ كثيراً من مشكلات الأسرة الشائعة وليدة الجهل بأسلوب التعامل السليم في العلاقات، وهذا أمر منطقي في الحقيقة؛ إذ إنَّ متطلبات العلاقة بين أبناء الأسرة تتطور وتتعقد كل يوم، ويضاف إليها مزيد من الحقوق والواجبات والالتزامات التي من شأنها أن توقد شرارة الشغف من جديد أو أن توطد أواصر المحبة والود بين الأفراد.

الزوجان اللذان مضى على زواجهما شهران تختلف متطلبات علاقتهما عن الزوجين اللذين مضى 20 عاماً على زواجهما، والعلاقة بين الأبناء في سن الطفولة تختلف عن العلاقة بينهم في سن النضج، وكذلك علاقة الوالدين مع الأطفال في مراحل الطفولة المبكرة تختلف عنها في المراهقة، وهذا ما يتطلب اجتهاداً لاكتساب طرائق التعامل السليم مع الآخرين في كل مرحلة.

من الجيد حقاً أنَّ الكتب تناولت الحديث عن العلاقات مؤخراً، وهذا مؤشر جيد إلى انخفاض مشكلات الأسرة الشائعة الناجمة عن هذا السبب عند جماهير القراء.

كيفية حل مشكلات الأسرة الشائعة بشكل فعال:

بعد الاطلاع على عينة من مشكلات الأسرة الشائعة، نورد لكم بعض الطرائق التي توضح كيفية حل مشكلات الأسرة بشكل فعال، ومن أهم هذه الطرائق نذكر:

1. الحرص على إيجاد تواصل فعال بين أفراد الأسرة:

وتبدأ شرارة هذا التواصل من العلاقة بين الزوجين التي يجب أن تكون قائمة على الحوار والنقاش وبعيدة عن الفرض والإجبار، ومن ثم ينتقل هذا الأسلوب إلى التواصل مع الأبناء ليساعدهم على فهم ذواتهم والتعبير عن أنفسهم.

مثال: عندما يعود طفلك من المدرسة لا تسأله "كيف كان يومك؟"؛ بل اسأله "ما هو أكثر شيء أفرحك اليوم؟"، و"هل حدث معك شيء مزعج؟"، واحرص على مراقبة وجهه ولغة جسده لتستشف حالته الشعورية والنفسية.

2. الحرص على بناء الثقة بين جميع أفراد الأسرة:

فإذا أسرَّ لك طفلك بأمر، فلا تخبر الآخرين به مهما بدا لك صغيراً أو تافهاً إلا إذا سمح لك بذلك، وإذا اشتكت زوجتك من أمر يزعجها، فلا تحكه للأبناء بهدف إضحاكهم وإحراجها.

3. يُعَدُّ اكتساب مهارات الذكاء العاطفي من أنجح الأساليب في حل مشكلات الأسرة الشائعة:

فمن خلالها يفهم الإنسان ذاته، فيسهل فهمه من قِبل الآخرين، وبفضلها أيضاً يتعلم التعاطف مع الآخر ويكتشف طرائق التواصل الفعالة معه.

4. تنمية مشاعر الانتماء إلى الأسرة:

هو أيضاً طريقة من طرائق حل مشكلات الأسرة الشائعة، فالمشاورة والنقاش واحترام وجهات النظر بين الجميع بشأن أمر يخصهم جميعاً يعزز مشاعر الأمان والانتماء مهما كان موضوع المشاورات بسيطاً مثل غداء الغد أو مكان نزهة يوم العطلة.

5. احتواء الأسرة:

هو طريقة فعالة إذا ما أردت حل مشكلات الأسرة الشائعة، فبدل أن تحمِّل ابنك مسؤولية موقف سيئ حدث له، قم باحتوائه وابحث معه عن طريقة لحل المشكلة ولا تتخلَّ عنه.

6. شرح وضع الأسرة لجميع أفرادها:

من أجل حل مشكلات الأسرة الشائعة التي تخص الأمور المادية لا بد من شرح وضع الأسرة لجميع أفرادها وخاصةً في حالات الأزمات، والاتفاق على خطة معينة لتوفير المصاريف أو زيادة الدخل، وإنَّ تعاون أفراد الأسرة في تقليل النفقات وعمل الزوجة لمساندة زوجها في الأمور المادية من شأنه أن يخفف ضغوطات الحياة ويُشعِر الزوج بالدعم والقوة.

7. قراءة الكتب التي تتحدث عن العلاقات:

وتطبيق النصائح التي تُذكَر ضمنها مهما بدا ذلك غريباً، ففي استبيان اطلعت عليه على الإنترنت رشح أحد الكتب أن يطلب الشريك من شريكه ذكر ثلاثة مواقف يعجبه الآخر فيها ويخبره بدوره بذلك.

لقد لقي هذا الطلب استهجاناً كثيراً من قِبل المتزوجين على وجه الخصوص، ولكنَّ الإجابات التي كُتِبَت بعد أن تم سؤال الشريك ومشاعر السعادة التي نتجت عن سماع أشياء قد يكون الآخر قد نسيها كانت عارمة ومرضية.

شاهد بالفديو: 6 علامات تدمر العلاقات بصمت احذر منها

8. الامتنان لوجود أسرة وبيت دافئ:

وأفراد تتشارك معهم الضحك والصراخ والبكاء أمر فعال في حل مشكلات الأسرة الشائعة؛ لأنَّ هذه المشكلات وإن تعاظمت تظل بسيطة أمام فقدان نعمة الأسرة والحرمان منها.

في الختام:

إنَّ مشكلات الأسرة التي تنشب بين أفرادها هي ملح الحياة، ووسيلة عظيمة لتطوير المهارات الاجتماعية والشخصية والحياتية عند جميع الأفراد، وإنَّ الاستثمار الصحيح لهذه المشكلات والتعامل الصحي معها يساهم في تعزيز الانتماء إلى العائلة بدلاً من أن تكون المشكلات سبباً في شرخها.