التربية في العالم الحاضر: التحديات والفرص

التربية في العالم الحاضر: التحديات والفرص

باختلاف تلك النظرات بشأن التربية ومفهومها يمكن القول إنَّ التربية عموماً عملية اجتماعية ترتبط بالجماعة، فتختلف بعناصرها وخصائصها ووسائلها تبعاً لاختلاف الجماعة، كما أنَّها لا تتم دون تخطيط؛ فهي عملية موجهة تُصاغ وفق أهداف محددة وخطوات دقيقة تشمل المراحل العمرية للإنسان كافة منذ الولادة وحتى الممات؛ إذ إنَّها تعمل على بناء سلوك الإنسان كي يتكيف مع أهداف المجتمع وخصائصه ويحيا فيه وفق القوانين والعادات السائدة ويسهم في بنائه وتطوُّره.

أولاً: التحديات التي تواجه التربية في الحاضر

1. نقل التراث الثقافي وتنقيته:

تعمل التربية بمؤسساتها كالأسرة، والمدرسة، والجمعيات، وسواها على نقل التراث من أجل ضمان استمرار المجتمع، وعلى التربية تقديم هذا التراث في صورة بسيطة ومفهومة؛ فالتراث الثقافي غالباً ما يبدو معقداً ومركَّباً، وعلى التربية تبسيطه قدر الإمكان بما يناسب مراحل نمو الإنسان المختلفة، كما تواجه التربية تحدياً كبيراً في تنقية التراث الثقافي؛ فهذا التراث يحتوي على النافع والضار؛ لذا يجب على المؤسسات التربوية استبعاد الأجزاء الفاسدة وحث الأجيال على تجنبها.

2. تطوير المجتمع وتجديده:

من بين التحديات التي تواجهها التربية تحدي تطوير المجتمع وتطوير نظام الحياة فيه من جانب السلوك والفكر وكذلك القيم؛ لذا يجب على مؤسسات التنشئة الاجتماعية العمل بذكاء وإلقاء الضوء على الجوانب الثقافية المختلفة، لا سيَّما تلك التي بدأت تتداعى، والتأكيد على ضرورة تغييرها بجوانب أخرى أكثر فائدة ومناسبة للمجتمع والعصر.

3. الحفاظ على الانسجام الاجتماعي:

لكل فرد من أفراد المجتمع مفهوماته وأفكاره وسلوكاته الخاصة به؛ لذا يقع على عاتق التربية تحدٍّ جديد وهو التقريب بين الأفراد، والقضاء على النزاعات الفردية؛ من أجل تعزيز الشعور بالانتماء للمجتمع الواحد المتميز بطابعه وثقافته الخاصة.

4. تحدي العولمة:

العولمة هي جملة التطورات والتغيُّرات الحاصلة في مجالات الحياة كافة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية وأنماط الحياة المختلفة بما فيها التربوية؛ إذ أثرت تأثيراً واضحاً وكانت تأثيراتها السلبية أكثر من الإيجابية.

أصبح اختراق العولمة للمجتمع واقعاً، والتحديات التي تفرضها تزداد يوماً بعد يوم، ولم يعد السؤال هل نقبل العولمة أم نرفضها؛ بل أصبح السؤال والشغل الشاغل للجميع: "كيف يمكن مواجهة تحديات العولمة ونتائجها بأقل الخسائر الممكنة، وتحقيق أكبر قدر من المكاسب من خلال اقتناص كل فرصة متاحة؟".

5. تحدي الهوية:

تحدي الهوية من أبرز ما نتج عن العولمة التي تهدف إلى سحق كل ثقافة المجتمعات وفرض ثقافة واحدة؛ ومن ثمَّ هدم الهوية، ودفع الإنسان للشعور بالاغتراب عن حضارته وتاريخه.

6. التحديات الأسرية:

تهتم مؤسسات التنشئة الاجتماعية جميعها بتربية الأفراد، ولكن يبقى للأسرة تأثيرها الأكبر؛ فاهتمامها بالفرد اهتمام مضاعف؛ إذ تبذل جهداً لا متناهياً من أجل مواجهة التحديات وتجاوز العقبات التي تهدد مستقبل أبنائهم، ومن بين تلك التحديات:

  • مستحدثات التكنولوجيا مثل مواقع التواصل الاجتماعي.
  • اتباع الصيحات التي لا تناسب ثقافة مجتمعهم أو مراحلهم العمرية.
  • مشاركة الغرباء في تربية الأبناء؛ ففي الحقيقة ليس من الضروري وجود شخص غريب معك في المنزل ليستطيع التأثير في الأبناء؛ بل يمكن لأي إنسان من أي بلد فعل ذلك من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.
  • خروج المرأة إلى العمل؛ فقد مثَّلت حركة خروج المرأة إلى العمل حركة هامة في تطور المجتمع، ولكن على الرَّغم من كل الميزات والمكاسب التي تحققت للمرأة، إلا أنَّها أثرت تأثيراً كبيراً لا يُستَهان به في تربية الأجيال، وما لحق ذلك من ضغوطات وتحديات تواجه الأسرة برمتها.
  • التفكك الأسري واختلال المسؤوليات؛ فلم تتوقف الدراسات التربوية عن التحذير من مخاطر التفكك الأسري والمشكلات التي يخلفها؛ فأي خلل في تركيب الأسرة سيعود سلباً على تربية الأفراد.
  • سيطرة الآباء على الأبناء؛ إذ يفرض الآباء آراءهم بالقوة، إضافة إلى وجود صراع الأجيال وهو وجود فرق في التفكير بين الآباء والأبناء، وميل الأبناء إلى الاستغلال وعدم الأخذ برأي الآباء أو حتى الاستفادة ممَّا علمتهم إياه الحياة.

شاهد بالفيديو: كيف تستمر في مواجهة التحديات عندما تزداد الحياة صعوبة؟

7. الانفتاح على العالم بما يحويه من ثقافات وتنوع المؤثرات:

أصبح عالم اليوم قرية صغيرة بفضل وسائل الاتصال والتقنيات الحديثة، وما بين توجُّه التربية بالمحافظة على الثقافة وضرورة الاطلاع على ثقافات الشعوب تكمن تحديات كثيرة، كما أنَّ المؤثرات قد كثرت إلى حدٍّ كبير؛ فلم يعد الأهل أو المعلم وحدهما يؤثران في الفرد وسلوكه؛ بل أصبح هناك التلفاز والإذاعة والإنترنت والبعثات المختلفة وسواها.

8. التحديات التعليمية:

من أكبر التحديات التي تواجه التربية في المجال التعليمي هو وضوح أهداف المستقبل للفرد، وإيجاد السبل الكفيلة بتحويل القيم الاجتماعية إلى سلوك يُمارَس في الحياة العامة، وزيادة الدافعية نحو العلم والتعلم، وتحويل المحتوى المعرفي إلى مهارات عملية، إضافة إلى تحقيق جودة التعليم في ظل التغيرات العالمية المتسارعة، والتوسع في تقديم الخدمات التعليمية والقضاء على الأمية التي انتشرت أخيراً انتشاراً كبيراً في المجتمع العربي عموماً، وعجزت الدول عن علاجها ومحوها على الرغم من الجهود والأموال المُنفَقَة من أجل التخلص منها.

شاهد بالفيديو: 10 طرق لعلاج صعوبات التعلّم عند الطفل

9. التحديات الاجتماعية المتمثلة بآفات كل مجتمع:

الفقر والجهل والمرض.

10. التحديات السياسية:

تتمثل في نظام الحكم، والسلطة القائمة، ومدى استجابتها لتطلعات شعوبها، وتحقيق طموحاتهم، والتزامها قيمَهم.

ثانياً: التربية في العالم الحاضر: كيف تصنع الفرص؟

  • من واجب التربية أن تخلق فرصة من كل تحدٍ يواجهها، وجعل كل تحدٍ قضية رئيسة تركز عليها اهتمامها بحيث تحوله إلى هدف من أهدافها الاستراتيجية، وتجعل منها أولويات مستقبلية، وتدريب الأفراد منذ بداية حياتهم على مواجهة التحديات.
  • استغلال المراكز التربوية المختلفة ومواقع التواصل الاجتماعي من أجل نقل القيم التربوية الفاعلة.
  • الاستفادة من المناسبات المختلفة؛ إذ تحتفل كثير من الشعوب بمناسبات عديدة سواء دينية أم وطنية أم احتفالات لمناسبات اجتماعية وإنسانية، ويجب على التربية استثمار هذه المناسبات والعمل على غرس القيم والسلوكات المرغوبة وتعزيزها، والحرص على تحقيق التزامها من أجل المحافظة على تماسك المجتمع.
  • الانغلاق في وجه العولمة يعني الموت، ولكن على التربية أن تدفع الأفراد باتجاه الاستفادة من العولمة في مصلحتهم؛ فالعولمة ظاهرة عالمية لا يمكن الوقوف ضدها، ولا يمكن إنكارها، وهي تيار جارف سوف يغطي مجالات الحياة كافة؛ لذا يجب الانخراط فيها دون تردد لكن بخطوات مدروسة تقوم على تعزيز الهوية بعناصرها، وإقامة حصانة ثقافية لا تسمح للثقافة المهيمنة بمحو ثقافة المجتمع.
  • تطوير المناهج التربوية وتضمينها القضايا المعاصرة، لا سيَّما تلك التي تُعارض قيم المجتمع واتجاهاته؛ من أجل تحليلها وبيان فوائدها ومضارها ولماذا يرفضها المجتمع الذي يعيش فيه الفرد.
  • العناية بمؤسسات التنشئة الاجتماعية؛ مثل الأسرة، والمدرسة، والأماكن الدينية، والنوادي، وكافة المؤسسات المعنية بغرس قيم المجتمع ونقل تراثه إلى أبنائه جيلاً بعد جيل، وحثها على تأكيد قيم العلم والإنتاج وإشاعة مشاعر السلام والحب بين أبنائها الذين بالضرورة سوف ينشرونها في المجتمع عامة.
  • مواجهة التقدم التكنولوجي بالعمل على انتقاء النافع من تلك التكنولوجيا، والسماح لها بالولوج إلى المجتمع واستثمارها في إنتاج معارف وأفكار جديدة.
  • إنتاج البرامج الهادفة المليئة بالقيم، والدافعة لكل ما هو خير للمجتمع وأبنائه.
  • تعزيز لغة المجتمع؛ فمثلاً في المجتمع العربي تمثل اللغة العربية العنصر الأساسي في الحفاظ على المجتمع العربي من التمزق؛ فلطالما وحدت بين العرب، وهي الطابع المميز لهوية الأمة العربية.
  • تربية قادة الفكر والرؤساء والمديرين وكافة أنواع الشخصيات المؤثرة في إثراء ثقافة المجتمع وتطوير رؤيتهم للكون وحياة الإنسان.
  • الاهتمام بالتعليم خصوصاً؛ فهو الوحيد القادر على ردم الهوة الموجودة بين الشعوب، والقادر على تطوير المجتمع وإيجاد كافة السبل التي تدفع به نحو الرقي.
  • في الختام:

    أطفال اليوم هم رجال الغد؛ فالتربية تقوم على تربية الأفراد وتهذيب أخلاقهم، وجعلهم أفراداً صالحين للعيش في المجتمع الذي يجب عليهم أن يعملوا من أجله ومن أجل ازدهاره؛ فلا غنى عن التربية في عصر مليء بالمنافسة، إلا أنَّ هذه التربية تواجه مجموعة من التحديات التي تقف عائقاً في وجه تنفيذ أهدافها، وهذه التحديات تمثل مجموعة من التغيرات والتطورات التي تمثل خطراً ويتوقع حدوثها في المستقبل القريب أو البعيد، والتعرف إلى تلك التحديات هو السبيل الناجح لضمان معاملته معاملة مناسبة.