كيف تحسِّن الكتابة الاستقرار الذهني والعاطفي؟

كيف تحسِّن الكتابة الاستقرار الذهني والعاطفي؟

ربَّما تكون على الصعيد الشخصي، قد لجأت بنفسك إلى الكتابة بصفتها وسيلة علاجية مُريحة في حياتك؛ فإن لجأت في يومٍ من الأيام إلى دفتر يومياتك للتنفيس عمَّا في داخلك من توتر واستياء أو الإفصاح عن مكنونات قلبك، فإنَّك قد استخدمتَ الكتابة بصفتها أداة للتعامل مع تلك المشاعر السلبية والإحباطات.

كذلك إن كتبتَ يوماً ما رسالةً أو أرسلتَ بريداً إلكترونياً كي تعبِّر لأحد أصدقائك عن مشاعرك الحقيقية إزاء أحد المواقف الإيجابية أو السلبية التي مررتَ بها، وشعرت بتحسن كبير بعدَها، فإنَّك تعلم جيداً مزايا الكتابة وفوائدها بصفتها أداة للتنفيس عن مشاعرك المكبوتة ومنحك الراحة النفسية والعاطفية.

أهمية الكتابة وتأثيرها في تحسين الصحة النفسية للإنسان:

يُطلَب من المرضى الخاضعين للعلاج بالكتابة أن يكتبوا عن حياتهم بصفتها جزءاً من العملية العلاجية التي يمرُّون بها؛ وقد يكتب هؤلاء الأشخاص عن تجارب مُحدَّدة مرُّوا بها أو ذكرياتهم ومشاعرهم وأهدافهم.

قد يُطلَب ممَّنْ يلجؤون إلى المعالجين والاستشاريين النفسيين الذين يتَّبعون المعالجة بالكتابة الاحتفاظ بدفتر مذكَّرات يسجلون فيه أحاسيسهم أو كتابة الرسائل أو القصص الخيالية المستوحاة من مشاعرهم أو حتى تأليف الشعر؛ إذ لا تُعدُّ المُعالجة بالكتابة أمراً حديث العهد أو موضةً انتشرت حالياً؛ بل يزيد عمر التقنيات والأساليب السابقة عن 50 عاماً.

من الناحية الجسدية أو البدنية، يؤمن علماء عديدون بفاعلية المعالجة بالكتابة ونجاحها؛ لأنَّ الراحة والتحرُّر الذي يشعر به المرضى يُطمئِن أنفسهم ويخفِّف توترهم، كما أنَّ للكتابة تأثير إيجابي في ضغط الدم الشرياني.

حين ينخفض مستوى التوتر والضغط النفسي لدى الإنسان أو يتلاشى كلياً ويشعر بالهدوء وراحة البال، يُصبح لدى الشخص الذي يلجأ إلى الكتابة لتحسين صحته النفسية والعاطفية طاقة أكبر لبناء استراتيجيات وإعداد خطط تمكِّنه من إجراء أي تغييرٍ يحتاج إليه في حياته، وهو ما يُعدُّ ظاهرة شائعةً جداً لدى أي شخصٍ يمرُّ بأزمة، سواء أكانت تلك الأزمة ماليةً أم عاطفية أم صحية؛ إذ يكون هؤلاء الأشخاص مُرهَقين بشدة على الصعيدين العاطفي والذهني، وهذا يمنعهم من إيجاد طرائق لإصلاح وضعهم والتخلص من مشكلاتهم.

شاهد بالفديو: 5 طرق تجعل من تدوين اليوميات عادة مكتسبة

أسباب انجذاب أشخاص مُعيَّنين للكتابة بصفتها شكلاً من أشكال العلاج أو المساعدة الذاتية أكثر من غيرهم:

يميل المراهقون والسجناء والأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية وعقلية أو الذين يكابدون مرارة الأمراض المزمنة وضحايا الجرائم وغيرهم لاستخدام الكتابة للتعبير عن أنفسهم وتنظيم فوضى المشاعر والأحاسيس في داخلهم، وهو أمرٌ صحيح فعلياً، سواء أكانت الكتابة جزءاً من خطة علاج رسمية ومُتعارَف عليها أم مُجرَّد نشاط يستخدمه الفرد ويلجأ إليه من تلقاء نفسه ببساطة.

توجد حقيقة كبيرة وراء الصورة النمطية للمراهق الذي ينفِّس عن مشاعره وأحاسيسه من خلال يومياته أو يكتب رسائل غرامية لأحد أحبائه الذين فقدهم، وهذا بالطبع مُجرَّد مثال واحد فقط لإثبات فوائد الكتابة وآثارها الإيجابية؛ إذ نجد أشخاصاً عديدين مُعرَّضين للخطر يستخدمون الكتابة بصفتها وسيلة للتعبير عمَّا يشعرون به والتعامل مع الأحداث التي تجري لهم ومحاولة استيعابها والتغلب عليها.

المعالجة بالكتابة في حياة الشباب المُعرَّضين للمخاطر وغيرهم:

يستمتع مراهقون عديدون باستخدام الكتابة للتعبير عن أنفسهم والتعامل مع مشاعرهم وأحاسيسهم، وهو ما يجعل حصةَ الكتابة الإبداعية من الحصص المحبوبة التي تستقطب طلاباً عديدين في المرحلة الثانوية وفي الجامعة.

تمنح عملية الكتابة نوعاً من التنفيس عن المشاعر وتطهير العواطف، وتُعدُّ خياراً صحياً وجيداً لدى الشباب والمراهقين للتعامل مع التجارب الصادمة والعواطف السلبية وأزمات المراهقة الشائعة ومعالجتها.

لكن بقدر ما يمكن أن تكون الكتابة مفيدةً للمراهق العادي، فإنَّها قد تكون أكثر نفعاً وفائدةً بكثير في حياة الشباب المُعرَّضين للمخاطر؛ والذين هم الأطفال والمراهقون المُعرَّضون لخطرٍ واحد أو أكثر ممَّا يأتي:

  • ترك المدرسة والتعليم.
  • التورُّط في قضايا جنائية.
  • تعاطي المخدرات أو المشروبات الكحولية.
  • الهروب من البيت أو التشرُّد.
  • المعاناة من مشكلات واضطرابات في الصحة العقلية.
  • الوقوع ضحية إساءة المعاملة أو الاستغلال.

بالطبع يتأثر شباب عديدون مُسبَقاً ومباشرة بواحدٍ على الأقل من عوامل الخطورة السابقة قبل أن يُعدُّوا أشخاصاً بحاجةٍ إلى المساعدة.

تستخدم مُنظَّمات عديدة مُتخصصة بمساعدة الشباب المُعرَّضين للخطر، الكتابةَ بصفتها واحدة من الإجراءات العلاجية العديدة التي تتَّبعها؛ فقد يُطلَب من هؤلاء الشباب تأليف الشعر أو كتابة القصص القصيرة أو حتَّى سيرة حياتهم الخاصة، كما قد يُشجعون ويُحثون على تسجيل يومياتهم باستمرار.

تستطيع الحكاية أو سرد القصص حتَّى أن تكون جزءاً من برنامج معالجةٍ كتابية فاعل وناجح، وقد وجدت برامج عديدة يؤلف فيها الشباب المُعرَّضون للمخاطر مسرحياتٍ تدور أحداثها حول تجاربهم الخاصة والتي يمثِّلون فيها مع أقرانهم.

تحتلُّ المعالجة بالكتابة مكانةً هامةً في علاج الشباب المُعرَّضين للمخاطر في مرافق احتجاز الأحداث ومستشفيات الأمراض العقلية والمدارس الموجودة في مناطق الاضطرابات والمساكن الجماعية والمُخيَّمات وغيرها من المرافق الخاصة التي أُنشئت خصيصاً لمساعدة الشباب المُعرَّض لصعوبات في حياته.

تُعَدُّ هذه البرامج مناسبةً أيضاً لنوادي الفتيان والفتيات والمراكز الاجتماعية، ولا سيَّما التي تقع في المناطق التي تكون فيها النسبة الكُبرى من الشباب أكثر عرضةً للمشكلات الاجتماعية أو العاطفية أو التعليمية أو القانونية.

تشمل الفوائد والمزايا التي يكتسبها الأطفال المُعرَّضون للخطر عندَ ممارسة الكتابة ما يأتي:

  • تحسُّن الإلمام أو المعرفة.
  • زيادة التأقلم مع المدارس.
  • تحسين النضج العاطفي والنفسي.
  • فهم الذات بصورة أكبر وأفضل.
  • رفع القدرة على التعاطف.
  • تعزيز احترام وتقدير الذات.
  • تعلُّم استخدام الكتابة لتَحِلَّ محلَّ استراتيجيات التأقلم غير الصحية أو المعادية لمصلحة المجتمع التي لجؤوا إليها في حياتهم.

استُخدمت أيضاً برامج معالجة عبر الكتابة مماثلة لما سبق في السجون وغيرها من المؤسسات لمساعدة البالغين الذين يعانون اضطرابات نفسية أو يُظهرون سلوكات وتصرفات معادية للمجتمع أو الذين لديهم تاريخ إجرامي.

مثلما تساعد الكتابة المراهقين، يستطيع هؤلاء البالغون من خلال الكتابة عن تجاربهم السابقة التعامل مع الصدمات الماضية التي تعرَّضوا لها وتعديل أنماطهم السلوكية واكتشاف مزيد من الأمور عن أنفسهم وتعلمها، وينجح بعضُهم حتَّى في تحسين قدرتهم على الشعور بالتعاطف مع الآخرين وتفهُّمهم.

من الواضح أنَّ الكتابة نشاطٌ له فوائد بالغة وتأثيرات إيجابية جمَّة في الصحة النفسية والذهنية، وينطبق هذا على الأشخاص الذين يمرُّون بتغييرات حياتية كبرى، أو يلاقون صعوبات بسيطة كي يكبروا وينضجوا أو المُعرَّضين لمخاطر حقيقية فعلياً.

في الختام:

يجب أن يُشجَّع الأشخاص الذين يعانون مشكلات وصعوبات عاطفية على استخدام الكتابة بصفتها وسيلة صحية للتعبير عن مشاعرهم واكتشاف مزيد من الأمور عن أنفسهم وفهمها وإدراكها.