كيفية التواصل مع الأطفال وفهم احتياجاتهم

كيفية التواصل مع الأطفال وفهم احتياجاتهم

يسلك المربون في تعاملاتهم مع أطفالهم مسالك خاطئة في كثير من الأحيان، لا تمتُّ إلى التواصل الفعال بصلة، منها الصراخ ومنها التجاهل ومنها الاستهزاء، ونحن لسنا هنا في صدد الاتهام، وندرك تماماً أنَّ تصرفاتهن موروثة ونابعة عن رغبة بتنشئة طفل مستقل ومكتفٍ بذاته، ولكنَّهن لا يعرفن خطورة ما يقمن به وتأثيره في شخصية الطفل وصحته النفسية، ولا يدركن السبل الصحيحة لفعل ذلك.

من أجل الفئة التي وعت _ عبر تلمُّس نتائج تربية الجيل السابق _ إلى مغالطة هذه الأفعال، وشرعت تبحث عن الصواب في كيفية التواصل مع الأطفال وفهم احتياجاتهم العاطفية، نكتب هذا المقال.

تعريف التواصل مع الأطفال؟

يمكن تعريف التواصل مع الأطفال على أنَّه مجموعة المهارات التي يستخدمها الوالدان والمعلمون وجميع من يتعامل مع الطفل في سبيل تقديم واستقبال المعلومات والكلمات والمشاعر والاستجابات من الطفل، ويمكن لهذه المهارات أن تكون لفظية أو غير لفظية، وتحقق الغاية في إنشاء وتطوير خط تواصل فعال بين المربي والطفل.

تشمل مهارات التواصل مع الأطفال الاستماع والتحدث والتعاطف والملاحظة والاحتواء وفهم التعابير غير اللفظية وتقديمها أيضاً، ولا بد من الإشارة إلى كون التواصل مع الأطفال حاجة ضرورية لهم، تُولد معهم بشكل فطري وتحتاج إلى أن تُلبى منذ اللحظة الأولى لولادة الطفل.

أنواع التواصل مع الطفل:

تختلف أنواع التواصل مع الطفل باختلاف مرحلته العمرية وعوامل أخرى، ففي الأيام الأولى من حياة الطفل يكون نوع التواصل الممكن معه هو التواصل البصري والتواصل باللمس والإيماء والتواصل الصوتي، وقد يستغرب بعض الأشخاص قدرة الرضيع على استيعاب التواصل الصوتي، لكنَّنا نؤكد على فاعليته، فالطفل يدرك أصوات والديه حتى قبل الولادة.

مع تقدُّم الطفل في العمر تتطور مهارات التواصل لديه ويستطيع إدراج أنواع تواصل أخرى ضمن قائمة أدواته، وعندما يصل إلى سن الخامسة نجده قد اكتسب مخزوناً ضخماً من أنواع التواصل وأدواته وأساليبه التي تحقق له فطرته الإنسانية في التفاعل والاندماج.

شاهد بالفيديو: 12 طريقة لتعزيز التواصل الأسري

بالعودة إلى أنواع التواصل مع الطفل نذكر ما يأتي:

1. التواصل باللمس:

يعدُّ التواصل باللمس أحد أهم أنواع التواصل مع الأطفال، والتي يستطيع الطفل أن يدركها منذ لحظاته الأولى، ويتطور شعور الطفل باللمس في أثناء وجوده في الرحم، ويستطيع إدراكه فور ولادته، وتستمر حاجته إليه في فترات الطفولة والمراهقة وحتى ما بعدهما.

إنَّ التواصل مع الأطفال عن طريق اللمس يساهم في تعزيز علاقتهم مع والديهم ومربيهم، وتطوير بقية أساليب التواصل اللفظي وغير اللفظي، ويشير الاختصاصيون إلى الدور الهام الذي يؤديه التواصل باللمس مع الأطفال في نموهم العقلي والمعرفي وصحتهم النفسية.

2. التواصل البصري:

إنَّ التواصل البصري يعدُّ نوعاً فعالاً من أنواع التواصل مع الأطفال، يبدأ الأطفال بإدراكه في عمر الثلاثة أشهر تقريباً، ويتطور خلال السنة الأولى من حياتهم حتى يصبح أسلوباً فعالاً مساهماً في نقل واستقبال الرسائل والمشاعر.

للتواصل البصري مع الأطفال دور هام في تعزيز أساليب التواصل الأخرى، وتنمية المهارات الاجتماعية لديهم؛ لذا إنَّ انعدام مهارات التواصل البصري عند الطفل يعدُّ مؤشراً خطيراً ودلالة على وجود مشكلة يجب تشخيصها وعلاجها، والتي يعدُّ التوحد واحداً منها.

يؤكد الاختصاصيون التربويون على أهمية التواصل البصري في الحوار مع الأطفال ونقاشهم؛ لذلك ينصحون المربين بالنزول إلى مستوى الطفل في أثناء الحوار ليحدث تواصل بصري متين بينهما، يساهم بشكل فعال في نقل الرسائل بينهما بدقة ووضوح، إضافة إلى ملاحظة مشاعرهم وتلبية احتياجاتهم العاطفية.

3. التواصل بالحركات والتعابير:

يندرج هذا النوع من أنواع التواصل مع الأطفال ضمن الأساليب غير اللفظية في التواصل، ويشتمل على تعابير الوجه كالضحك والعبوس ودلالة كل منها وغيرها من حركات اليدين وباقي أجزاء الجسم، مرفقة بمعنى كل حركة منها، ويحتفظ الطفل بهذا المخزون من التواصل غير اللفظي طيلة حياته، ويبرز دوره في تعليمه مهارات التكيف وتحقيق أهداف الاتصال.

4. التواصل اللفظي:

هو أكثر أنواع التواصل مع الأطفال استخداماً، تتم فيه الاستعانة باللغة والكلمات من أجل إتمام عملية التواصل، وتظهر معالم الكلام الأولى عند الأطفال عبر المناغاة في عمر الستة أشهر، وأما الحاجة إلى التواصل اللفظي فحسب آراء المتخصصين تُخلق منذ الولادة وتتزايد بتقدم الطفل في العمر، وتتعزز باكتساب الطفل القدرة على الكلام ويصبح حينها طرفاً فعالاً في عملية التواصل.

من الضروري التركيز على نبرة الصوت في التواصل مع الطفل، فالطفل الذي يحدِّثه أبواه بالصراخ سيصبح الصراخ أسلوبه في الكلام، والأمر سيان بالنسبة إلى الهدوء.

على الرغم من أهمية التواصل اللفظي في التعامل مع الأطفال، إلا أنَّ فاعليته تزداد عبر إقرانه بأساليب أخرى من أنواع التواصل، وكلما ازدادت أنواع التواصل مع الأطفال المستخدمة معاً، كان التواصل فعالاً ومثمراً.

5. التواصل العاطفي:

يعد هذا النوع من التواصل مع الأطفال محصلة أنواع التواصل الأخرى ونتيجة اجتماعها، وفي هذا النوع يتم نقل المشاعر بين الطفل ووالديه عبر التعاطف والتفاعل العاطفي في المواقف الحياتية، ومثل أنواع التواصل الأخرى مع الأطفال يبدأ الطفل بإدراك هذا النوع منذ طفولته المبكرة ويتطور إدراكهم بتقدمه العمري، وفي سن السادسة تزداد حاجة الطفل إلى الشعور بالحب والأمان، وشرح الهواجس والأفكار، وتلقي المساعدة العاطفية اللازمة في إعانته على تقويم سلوكه وتأهيله لمرحلة التعلم المدرسي وتنمية مشاعره الإيجابية.

مهارات التواصل مع الأطفال:

يعدُّ استخدام مهارات التواصل مع الأطفال السبيلَ الأمثل لمعرفة الطرائق الصحيحة في التعامل معهم وإرسال واستقبال الرسائل المعرفية والشعورية منهم وإليهم، إضافة إلى كونه الأسلوب القادر على فهم احتياجاتهم العاطفية.

من أهم مهارات التواصل مع الأطفال والتي يجدر استخدامها من قبل الوالدين والمربين والمعلمين وكل من لهم تماس مباشر مع الأطفال نذكر:

1. مهارة التواصل المتكامل مع الطفل:

تشكو الأمهات أحياناً من عدم استجابة أطفالهن لهن، وتتردد على مسامعنا عبارة: "طفلي لا يسمع الكلام" عشرات المرات في اليوم، ونحن هنا لنخبرك أنَّ طفلك ليس ملاماً وأنَّ العيب ليس به، ولا بك طبعاً، بل بأسلوب التواصل الذي تتبعينه معه.

إنَّ أهم مهارات التواصل مع الأطفال هي استخدام أكبر عدد ممكن من أنواع التواصل التي ذكرناها آنفاً، فمن الضروري النزول إلى مستوى الطفل لحدوث تواصل بصري معه، وإمساكه بيده أو ضمه قبل أو في أثناء الحوار، واستخدام عبارات الاحتواء العاطفي والتقبل لمشاعره، إضافة إلى استخدام الكلمات المناسبة للموقف والتي من شأنها أن توضحه وتفسره للطفل، مرفقة بنبرة صوت وتعابير وجه ولغة جسد معبرة، كما يجب الاستماع لما يقوله الطفل دون مقاطعة ومحاولة تفهُّم مشاعره مهما كان نوعها، ومن ثم التأكيد على مشاعر الحب والأمان التي تربطنا به ونكنها له.

2. مهارة الاستماع الفعال:

تعدُّ هذه المهارة من أهم مهارات التواصل مع الأطفال وفهم احتياجاتهم العاطفية، فلن يستطيع الطفل الذي يتعرض للمقاطعة في أثناء حديثه بشكل مستمر من التعبير بوضوح عما يدور في رأسه؛ لذلك إنَّ مهارة الاستماع الفعال والتي تعني الإنصات إليه مع إظهار الاهتمام والتفاعل مع ما يقول، تعدُّ أسلوباً ناجحاً في دفعه نحو الاسترسال في التعبير، وهذا يشجعه على قول ما قد يكون متردداً في قوله.

3. مهارة التعبير بلغة الجسد:

تحتل لغة الجسد والتعبير غير اللفظي مكاناً هاماً بين مهارات التواصل مع الأطفال، فيمتلك الأطفال قدرة خاصة على قراءة لغة الجسد والتفاعل معها أكثر من الكلام بحدِّ ذاته؛ لذا يجب على المربين أن يحرصوا على توافق ما تقوله ألسنتهم مع ما تقوله أجسادهم؛ لأنَّ الأطفال يلتقطون إشارة لغة الجسد ويفهمونها ويستجيبون لمضامينها أكثر من الأقوال.

إنَّ الطفل يستطيع استشعار حبك له عن طريق العناق ولغة العيون أكثر من قولك له: "أحبك كثيراً" وأنت تعبث بهاتفك المحمول، كما أنَّه يستشعر اهتمامك بما يقول إذا ما تركت جانباً ما تقوم به والتفت إليه مصغياً أكثر من قولك فقط: "أنا أسمعك أخبرني" وأنت تدير ظهرك له وتنهمك في إصلاح سيارتك.

4. مهارة التعاطف:

تعدُّ مهارة التعاطف المدرجة ضمن مهارات الذكاء العاطفي من أهم مهارات التواصل مع الأطفال وفهم احتياجاتهم العاطفية، فمن الضروري أن تضع نفسك مكان الطفل وتحاول التفاعل مع الأمور من زاويته بدلاً من أن تسخفها وتحاكمها بمنطق البالغين.

تتضمن هذه المهارة تفهُّم مشاعر الطفل، ومساعدته على إظهارها والتعبير عنها بدلاً من كتمها، فإذا ما جاءك الطفل يوماً يعبر عن شعور ما، إيَّاك واستسخافه أو قمعه، بل على النقيض من ذلك يجب أن تظهر له احتراماً لمشاعره وتقديراً لها وتوضيح مشروعيتها وأهميتها.

مثال: جاء طفلك يشكو أنَّ صديقه كسر لعبته بغير قصد، في مثل هذه الحالة يجب أن تتعاطف معه وتظهر وقوفك بجانبه بدلاً من توبيخه على السماح لصديقه بكسرها مثلاً، ومن ثم قول: "أعرف كم تحب هذه اللعبة، وأعرف أنَّك حزين على خسارتها، معك حق"، والطبطبة عليه والتربيت على كتفه.

5. مهارة التواصل عبر اللعب:

يعدُّ اللعب أكثر من وسيلة تسلية بالنسبة إلى الطفل، إنَّه أداته في التعلم والاكتشاف وتوسيع الإدراك؛ لذا إنَّ مهارة التواصل عبر اللعب تعدُّ مهارة هامة ضمن مهارات التواصل مع الأطفال، وتمكِّن هذه المهارة من إنشاء جو من المرح بين الطفل والمربي، وهذا ما يعزز العلاقة بينهما ويرفع مستويات الثقة، وعن طريق اللعب أيضاً يعبر الأطفال عن أفكارهم ومكنونات أنفسهم، فيلتقط المربي تصوراتهم عن الأمور الحياتية، ويعمل على تصحيحها أو تعزيزها.

6. مهارة التواصل عبر القصص:

فضلاً عن كون قراءة القصص للطفل من النشاطات الممتعة والتي تطور لديه مهارات الاستماع، فهي أيضاً نشاط فعال مدرج ضمن مهارات التواصل مع الأطفال.

إنَّ أسلوب القص والتشويق والرواية يوصل للطفل معلومات كثيرة، ويفتح أمامه آفاقاً واسعة من المعارف، ويثير لديه عواصف من التساؤلات التي لن يتوانى لحظة عن طرحها وتلقي الإجابات عنها، وهذا ما يعزز خبراته العاطفية ويطورها.

في الختام:

إنَّ عملية التواصل مع الأطفال وفهم احتياجاتهم العاطفية ليست أمراً معقداً ولا بسيطاً كما يظن بعض الأشخاص؛ إنَّها عملية تتطلب الاهتمام والالتزام، ولعلَّ أعقد ما في الأمر هو كون المربين قدوة لأطفالهم، الأمر الذي يحتم عليهم الانتباه لكل أقوالهم وأفعالهم، فالأطفال مرايا لهم وانعكاس لجميع أساليبهم وتصرفاتهم.