الحوار الداخلي: هل يتحدث الجميع مع أنفسهم؟

الحوار الداخلي: هل يتحدث الجميع مع أنفسهم؟

يُشار أيضاً إلى الحوار الداخلي بأنَّه "المونولوج الداخلي"، أو "الصوت داخل رأسك"، أو "الصوت الداخلي"؛ إذ يُعَدُّ الحوار الداخلي نتيجة لآليات دماغية معينة تجعلك "تسمع" نفسك تتحدث في رأسك دون أن تتحدث فعلياً وتنتج أصواتاً.

على الرغم من أنَّ الحوار الداخلي أمر شائع، إلا أنَّه لا يختبره الجميع؛ إذ يوجد كثير مما لم يكتشفه الباحثون بعد عن سبب تجربة بعض الأشخاص للصوت الداخلي بشكل متكرر وماذا يعني ذلك؛ لذا تابع لتعرف ما تم اكتشافه حتى الآن عن هذه الظاهرة النفسية.

هل للجميع صوت داخلي؟

يُعتقَد أنَّ القدرة على وجود حوار داخلي تتطور خلال فترة الطفولة فيما يُعرَف بـ "الكلام الخاص"، فمع اكتساب الأطفال مهارات اللغة، يتعلمون التفاعل مع تعليقات داخلية في أثناء العمل بشكل مستقل أو في أثناء تناوبهم خلال نشاط معين، وأيضاً قد تظهر أصوات داخلية للأطفال على شكل أصدقاء خياليين.

في سن البلوغ، يستمر نوع نفسي داخلي مشابه في دعم الذاكرة العاملة، إضافة إلى أنواع أخرى من العمليات الإدراكية، ويُعتقَد أنَّ الحوار الداخلي يساعدك على إكمال المهام اليومية، مثل عملك، ومع ذلك، لا يختبر الجميع صوتاً داخلياً.

قد تكون لديك أفكار داخلية، ولكنَّ هذا لا يشكل نوعاً مماثلاً من الحديث الداخلي؛ إذ يمكنك سماع صوتك يعبِّر عنها، ومن الممكن أيضاً أن يكون لديك صوت وفكر داخلي معاً؛ إذ تختبرهما بين الحين والآخر.

ماذا عن الأشخاص الذين ليس لديهم حوار داخلي؟

لا يفهم الباحثون بالكامل سبب عدم وجود صوت داخلي لدى بعض الأشخاص؛ إذ تشير مراجعة أبحاث أُجرِيت في عام 2019 إلى وجود ارتباط بين نضج المسار الظهري وظهور الكلام الداخلي لدى الأطفال.

المساران الظهري والبطني هما مسارات لغوية في الدماغ، وهما أيضاً مشاركان في معالجة الإشارات السمعية والبصرية، ففي سن الطفولة، يتطور المسار الظهري ببطء أكبر من المسار البطني، وظهور الكلام الداخلي يتأثر بتطور المسار الظهري.

لا يُعرَف بوضوح سبب عدم وجود حوار داخلي لدى بعض الأشخاص، ولكنَّ الباحثين يشتبهون أنَّه يرتبط بالطريقة التي ينمو بها المسار الظهري، إلى جانب أمور أخرى، فعدم سماع صوتك الداخلي لا يعني بالضرورة عدم وجود حوار داخلي؛ وذلك لأنَّ بعض الأشخاص يمكنهم الوصول إليه بشكل بصري بدلاً من سماعه، على سبيل المثال، قد تتمكن من "رؤية" قوائم المهام في رأسك، لكن لا تستطيع "سماع" نفسك تفكر.

قد يختبر الأشخاص الذين يعانون من ضعف في السمع حوارهم الداخلي من خلال علامات أو صور، فإذا وجدت صعوبة في تصور الصور في رأسك، فقد تعاني مما يُعرَف بالأفانتازيا.

تشير دراسة أُجرِيت في عام 2021 إلى أنَّ الأشخاص الذين يعانون من الأفانتازيا قد يختبرون أيضاً ما يُعرَف بـ "أنادوراليا"، وهو مصطلح يُستخدَم الآن لوصف غياب التخيل السمعي - أو الصوت الداخلي، وبناءً على استجابات الاستبيان من الأشخاص الذين يعانون من الأفانتازيا التي أبلغوا عنها بأنفسهم، قد يترافق غياب الحوار الداخلي مع الأفانتازيا؛ لذا يسلط الباحثون الضوء على ضرورة إجراء دراسات أكبر لفحص التداخل بين الاثنين.

شاهد بالفديو: 9 طرق لممارسة التحدث الإيجابي إلى الذات من أجل تحقيق النجاح

لماذا لدينا حوار داخلي؟

يُعتقَد أنَّ الحوار الداخلي يتم التحكم به جزئياً بواسطة التفرع الناتج (corollary discharge)؛ وهو نوع من الإشارات في الدماغ؛ إذ يساعد هذا التفرع على تمييزك بين تجارب الحواس المختلفة، مثل تلك التي تنشأ داخلياً أو خارجياً، كما يساعد التفرع الناتج على شرح لماذا يبدو صوتك نفسه عندما تتحدث بصوت عالٍ، ولماذا قد يبدو مختلفاً على التسجيل أو بالنسبة إلى الآخرين.

قد يساعدك الحوار الداخلي على سماع صوتك الخاص وعلى نفي المؤثرات الخارجية الأخرى، وقد يساعد أيضاً على تنظيم أفكارك خلال الأوقات التي لا يمكنك فيها التحدث بصوت عالٍ، فقد تطرح على نفسك أسئلة وتبحث عن الإجابات بوصفها جزءاً من عملية حل المشكلات.

الهلوسات السمعية:

سماع صوت الحوار الداخلي الخاص بك ليس ضاراً بذاته، ولكنَّ بعض أشكال الحوار الداخلي قد ترتبط بالهلوسات السمعية، عندما تعتقد أنَّك تسمع أصواتاً غير موجودة فعلياً؛ إذ ترتبط الهلوسات السمعية أحياناً ببعض الحالات الصحية النفسية مثل الفصام، إضافة إلى حالات عصبية مثل مرض باركنسون.

صوت الحوار الداخلي الخاص بك قد تكون له تأثيرات سلبية إذا كنت تختبر اختباراً أساسياً نقداً ذاتياً بانتظام، ومثل هذا "الحديث السلبي للذات" قد يؤثر في مزاجك العام وثقتك بالنفس.

أمثلة عن الحوار الداخلي:

أكثر أشكال الحوار الداخلي شيوعاً هو الحوار اللفظي - عندما "تتحدث" في الأساس مع نفسك على سبيل المثال، قد تتحدث مع نفسك عن القضايا التي تشغل بالك، أو قد تقوم بإعداد قوائم داخلية للأشياء التي ترغب في تحقيقها.

قد يساعد الكلام الداخلي على دعم الذاكرة العاملة، وقد تتحدث أيضاً مع نفسك عندما تستعد لإلقاء خطاب أو عرض؛ إذ "تحكي" ما ستقوله في ذهنك مسبقاً، ومثال آخر هو إعادة تكرار التعليمات في ذهنك، فقد يأتي الحوار الداخلي أيضاً على شكل محادثة مع نفسك، على سبيل المثال، قد تقوم بعمل محادثة في ذهنك عندما تحاول حل مشكلة.

الأصوات الداخلية قد تأتي على شكل أغانٍ تتراقص في ذهنك، أو ربما تعيد تشغيل فيلم أو بودكاست مفضل في عقلك، فعندما تقرأ كتاباً، قد "تسمع" صوتك الخاص يقوم بقراءة الكلمات.

كيفية التغيير إلى صوت داخلي أقل انتقاداً:

إذا أخبرك أحدهم أنَّك صارم جداً على نفسك، يمكنك أن تفكر في التركيز على ما يخبرك به صوتك الداخلي، في حين يمكن توقُّع حدوث بعض الانتقادات الذاتية بشكل منتظم من وقت لآخر، إلا أنَّ الصوت الداخلي المنتقد بشكل مستمر ليس صحياً، فقد ينمو صوت داخلي منتقد خلال فترات الإجهاد الشديد؛ لذا يُلاحَظ أحياناً أيضاً في الحالات الصحية النفسية مثل القلق والاكتئاب.

في مثل تلك الحالات، قد يشترك عقلك في حديث سلبي عن نفسك من خلال انتقاد الطريقة التي تعمل بها، أو كيف تتواصل اجتماعياً، أو كيف تشارك في الأوساط العائلية، وغير ذلك، على الرغم من أنَّ التوقف عن الحديث السلبي للذات ليس بسيطاً مثل الضغط على زر إيقاف، إلا أنَّ المشاركة بوعي في الحديث الإيجابي للذات قد تساعد على التغلب على الأفكار النقدية.

على سبيل لمثال، قد تقول لنفسك عبارات قصيرة على مدار اليوم مثل: "أنا هام، وأنا قيِّم"، أو "يمكنني فعل ذلك"، وحاول استخدام إحدى هذه العبارات (أو عبارة خاصة بك) في كل مرة تبدأ فيها بسماع حديث سلبي للذات.

قد يساعد التأمل المنتظم أيضاً على التحكم في الحوار الداخلي النقدي، فيمكن لممارسة التأمل أن تعلمك كيفية تجاهل الأفكار السلبية التي لا تخدمك بشكل جيد، وفي الوقت نفسه قد تنشئ توازناً أكبر في أنماط تفكيرك، وقد تساعد كتابة مشاعرك في يوميات أيضاً.

متى يجب التحدث مع اختصاصي؟

في معظم الحالات، الحوار الداخلي ليس سبباً للقلق، ومع ذلك، إذا كنت تختبر باستمرار أفكاراً نقدية تجاه ذاتك، فقد تفكر في التحدث مع محترف في مجال الصحة النفسية.

قد يستخدم محترف في مجال الصحة النفسية تقنيات مثل العلاج السلوكي المعرفي (CBT) لمساعدتك على تحويل الأفكار السلبية إلى إيجابية، ومع ذلك، إذا كنت تختبر حواراً داخلياً مرتبطاً بالضرر الذاتي، فابحث عن مساعدة من محترف في مجال الصحة النفسية فوراً.

يوجد سبب آخر للقلق قد يكون الهلوسات السمعية، فإذا كنت تشتبه أنَّك أو أحد أفراد عائلتك يختبر هذا النوع من الهلوسات، فاتصل بطبيب لإجراء تقييم صحي، وعلى الرغم من أنَّ الطبيب من المحتمل أن يصف أدوية، إلا أنَّ العلاج الدقيق سيتفاوت حسب الحالة الأساسية التي تسبب الهلوسات السمعية.

كيف يمكن للأفراد التفكير دون حوار داخلي؟

بالنسبة إلى أولئك الذين يملكون حواراً داخلياً، قد يكون من الصعب عليهم فهم كيف يمكن للناس التفكير دون سماع أصوات داخلية، ومع ذلك، أظهرت الأبحاث أنَّ الأفراد يمكنهم عموماً التفكير باستخدام خمسة أساليب مختلفة، لكن يتم تضمين الحوار الداخلي في واحدة فقط منها.

هذه الأساليب هي:

1. الحديث الداخلي:

وهو الحوار الداخلي الذي نستخدمه لنقول فيه الكلمات في عقولنا.

2. الرؤية الداخلية:

نتخيل صوراً في عقولنا تختلف عما نراه في الواقع، مثل تصوُّر مكانٍ ترغب في زيارته.

3. التفكير اللارمزي:

وهو التفكير دون استخدام أيَّة كلمات أو صور، كما في أثناء أداء مهمة يومية ميكانيكية مثل تنظيف الأسنان.

4. الشعور:

تفكيرنا في مشاعرنا بوعي تام، مثل السعادة أو الحزن.

5. الوعي الحسي:

التفكير في الجوانب الحسية للبيئة دون التفكير في جوانب أخرى، مثل الشعور بالرياح في أثناء يوم عاصف.

قد يستخدم بعض الأشخاص هذه الأساليب الخمسة، بينما يقتصر آخرون على واحدة أو اثنتين منها، وبناءً على ذلك، فإنَّ الأفراد الذين لا يملكون حواراً داخلياً قد يعتمدون على أحد الأساليب الأربعة الأخرى التي لا تتضمن الكلام الداخلي.

شاهد بالفديو: 10 علامات تحذيرية تشير إلى تدني تقدير الذات وانعدام الثقة

في الختام:

يعني الحوار الداخلي أكثر من مجرد التأمل في أفكارك الخاصة، فإنَّه يتضمن الكلام الداخلي؛ إذ يمكنك "سماع" صوتك الخاص يعيد تكرار عبارات ومحادثات في ذهنك، وهذه ظاهرة طبيعية تماماً، فقد يختبرها بعض الأشخاص بشكل أكثر تواتراً من غيرهم، ومن الممكن أيضاً عدم تجربة الحوار الداخلي على الإطلاق.

على الرغم من أنَّه يُعَدُّ عملية طبيعية، إلا أنَّ بعض أشكال الحديث الداخلي قد تكون سبباً للقلق، وهذا ينطبق بشكل خاص إذا كان حديثك للذات نقدياً بشكل مستمر أو إذا كنت تختبر أصواتاً داخلية تتحدث عن إيذائك، ففي مثل هذه الحالات، من الأفضل التواصل مع محترف في مجال الصحة النفسية.