هل تنتقل معاناتنا إلى أبنائنا عبر الجينات؟

هل تنتقل معاناتنا إلى أبنائنا عبر الجينات؟
(اخر تعديل 2023-10-10 06:12:15 )
بواسطة

امتداد آثار المعاناة بعد انتهائها:

ظروف الأسر كانت أصعب عند الطرف الكونفيدرالي من الصراع، فقد قضوا فترة الاعتقال في زنزانة صغيرة جداً، لا تعادل حصة الفرد منها مساحة القبر، وقد كان على هذا المعتقَل الجلوس والنوم والأكل، وربما قضاء الحاجة في هذا المكان الضيق.

لقد مات سجناء كثيرون من الجوع أو المرض أو سوء التغذية أو التعذيب، ونجا آخرون من هذا العذاب وخرجوا من السجن في نهاية المطاف، وعانوا كثيراً بسبب آثار التعذيب، ولم تقتصر المعاناة على الناحية الجسدية؛ بل كان الأثر الأكبر في الناحية النفسية، فقد عانت نسبة كبيرة منهم أمراضاً مختلفة وتدني جودة الحياة، وكان معدل أعمارهم أقل من المتوسط بكثير؛ أي إنَّهم ماتوا في أعمار مبكرة، وكانت لديهم معدلات توظيف منخفضة جداً، وكذلك كفاءة منخفضة في إنجاز المهام المختلفة، كل هذا كان محزناً كثيراً؛ بل مأساوياً؛ لكنَّه في الوقت نفسه متوقع وضمن سياق طبيعي.

انتقال آثار المعاناة إلى الجيل الثاني:

ما لم يكن متوقعاً، هو أنَّ أطفال هؤلاء المعتقلين عانوا مشكلات أو اضطرابات نفسية و/أو جسدية، وكان معدَّل البطالة بينهم أعلى من المتوسط، كذلك الأمر بالنسبة إلى معدل أعمارهم الذي كان أقل من المتوسط، على الرَّغم من أنَّهم لم يعانوا ظروف الاعتقال، ولم يعانوا الظروف القاسية والصعبة التي مر بها آباؤهم المعتقلون، لا بل عاشوا ضمن ظروف طبيعية، أفضل بكثير من تلك التي عاشها آباؤهم، هذا ما أثار تساؤلات كثيرة في الأوساط العلمية والبحثية، وما أثار الدهشة أكثر هو اقتصار الآثار السلبية على الأبناء أو الأحفاد الذكور فقط دون الإناث.

هل الجينات ثابتة لا تتغير؟

من المعروف أنَّ الجينات هي معلومات وراثية ثابتة تنتقل من جيل إلى جيل، دون أن تتأثر في الظروف الخارجية المحيطة، هذه حقيقة ثابتة نوعاً ما بالنسبة إلى ناس كثيرين، الأمر الذي أثار نوعاً من الإحباط عند الناس، بمعنى أنَّني إنسان محدود بجيناتي، وما تمليه عليَّ من أفكار أو رغبات أو توجهات، أو بما تحمله لي من أمراض جينية أو وراثية أو اضطرابات نفسية.

إذا كانت الجينات أمراً ثابتاً بهذا الشكل، فما الذي أدى إلى تأثُّر أبناء المعتقلين وأحفادهم، على الرَّغم من أنَّهم عاشوا حياة طبيعية مثل بقية أقرانهم ودرسوا في المدارس نفسها وتطببوا في المشافي ذاتها، وما إلى ذلك من الظروف الموضوعية المتقاربة، إن لم نقل المتطابقة.

بحث العلماء في هذا الموضوع بحثاً مكثفاً، واكتشفوا أنَّ ترميز الدنا الخاص بهذه الجينات لم يتغير؛ وإنَّما نشاط بعض أجزاء الجينات المسماة بالإيبيجينيتكس قد تغير نتيجة التعرض لعوامل بيئية أو خارجية بدرجة كافية ولفترة زمنية معينة، وقد انتقل هذا النشاط الجيني بشكل أو بآخر إلى الأبناء أو الأحفاد؛ إذ كان أبناء المعتقلين أو المعذبين في الحرب الأهلية الأمريكية أكثر عرضة للوفاة المبكرة بنسبة 11% مقارنة بأقرانهم، وهي نسبة هامة ولا يستهان بها.

مثال على انتقال المعاناة في الحرب العالمية الثانية:

غزت ألمانيا النازية هولندا كما هو معروف في الحرب العالمية الثانية، وحاصرت نحو أربعة مليون ونصف المليون مواطن هولندي وقطعت عنهم الدواء والمحروقات والغذاء، هذا ما دفع السكان المحاصرين إلى تقنين توزيع الطعام إلى الحد الأدنى؛ إذ ذكرت بعض المدوَّنات أنَّ حصة الفرد اليومية تكاد تكون 500 سعرة حرارية فقط، ما خلَّف مشكلات صحية كثيرة ناجمة عن سوء التغذية لدى السكان.

لم يقتصر الأمر على ذلك؛ إذ عانى الأطفال الذين حملت بهم أمهاتهم ضمن فترة الحصار أمراضاً كثيرة واضطرابات جسدية ونفسية، فكثرت حالات الفصام والاكتئاب والتوحد، هذا ما دفع العلماء إلى التمعن أكثر في مفهوم الإبيجينيتكس.

هل تنتقل المعاناة عبر الذكور أكثر من الإناث؟

دوَّن ملوك السويد القدماء وسجلوا الكميات التي يجنيها الفلاحون في مملكتهم في كل سنة من السنوات؛ وذلك بغية فرض مزيد من الضرائب وجني مزيد من الأموال، وإذا أتى الشتاء باكراً في غير موعده تلفت المحاصيل ما أدى إلى وقوع مجاعة بين السكان، أما إذا أتى المطر في الوقت المتوقع عم الخير البلاد وتوفر ما يكفي ويزيد من الطعام.

أتاحت هذه السجلات للباحثين معرفة فترات المجاعة وفترات الخير، ولاحظوا أنَّ أبناء الجيل وأحفاده الذين تعرضوا للمجاعة كانوا أكثر إصابة بالأمراض النفسية والجسدية؛ أي إنَّ أثر المجاعة قد امتد إلى جيلين وليس إلى جيل واحد، وكان أكثر عند الأحفاد الذكور، على الرَّغم من أنَّها وُجدت ولو بنسبة أقل عند الأحفاد الإناث، لكن لاحظوا أنَّها تأتي من الجدة الأنثى وليس من الجد، ما قد يعني علاقة هذه الصفات بالجينات الذكورية والأنثوية X AND Y.

شاهد بالفيديو: 13 طريقة تساعد الأبوين على علاج الاكتئاب عند الأطفال

هل نحن أسرى جيناتنا أم أنَّنا قادرون على تغييرها؟

هذه الملاحظات والنتائج والأبحاث التي قام بها العلماء أثارت جدلاً كبيراً بين الناس، فتساءل الجميع، هل الجينات أمر محتوم حقاً؟ هل نستطيع الخروج من سجن هذه الجينات؟ هل نحن قادرون على تغيير هذه الجينات وتحسين حياتنا نحو الأفضل؟

لقد اكتشف العلماء أنَّ كل ما نقوم به من نشاطات أو تجارب يؤثِّر ولو بدرجات متفاوتة في جيناتنا، أو في الإبيجينيتكس على وجه الدقة، إنَّ التدخين أو الرياضة أو تناول الوجبات السريعة أو المجاعة أو الشدة النفسية أو الصدمات العاطفية، تملك تأثيراً قد يمتد إلى أجيال عدة.

الطفولة هي أكثر الفترات حساسية على الإطلاق:

لقد وجد العلماء أنَّ الفترة من الطفولة وحتى ما قبل البلوغ هي أكثر فترة يكون فيها الطفل حساساً لما يتعرض له من عنف أو شدة أو مجاعة، وفي حال إهمال الطفل في هذه المرحلة الحساسة، قد نكون حكمنا بالمعاناة على أجيال أخرى عدة؛ لذلك دعا الباحثون الأهل إلى إيلاء اهتمام كبير بكل صغيرة وكبيرة تخص الطفل في هذه المرحلة، لا بل تحولت القضية إلى قضية رأي عام في دول متقدمة كثيرة، التي دعت إلى إعطاء فترة أمومة مدفوعة أطول من السابق؛ وذلك بغرض تأمين العناية والرعاية المناسبة للطفل.

لقد وجدت المنظمات الحقوقية أنَّ تمديد فترة الأمومة هو حق للمرأة، ومن جهة أخرى نستطيع عدها ذات جدوى اقتصادية بحكم أنَّ الطفل سيكون أفضل من جميع النواحي، ما يعني استشفاء أقل وأمراض أقل؛ أي إنَّه سيخفف من الأعباء المالية الصحية، ما يجعله - بالإضافة إلى أبنائه وأحفاده - أكثر إسهاماً في نمو المجتمع وتطوره.

هل توجد طريقة في تحسين جيناتنا وجينات أبنائنا نحو الأفضل؟

قد تسأل نفسك، هل توجد نقاط مفيدة استخلصها العلماء من كل هذه الأبحاث؟ هل توجد بارقة أمل في تحسين نوعية حياة أبنائنا وأحفادنا نحو الأفضل؟

اختبر العلماء مجموعة من الناس الذين لديهم تعبير جيني يدل على البدانة أو أنَّهم مؤهلون أكثر من غيرهم لزيادة الوزن؛ ومن ثَم طلب منهم المشرفون على الدراسة ممارسة الرياضة لمدة ساعة واحدة في اليوم لمدة ستة أشهر، وبعدها أجرى الأطباء اختبارات وتحاليل متعددة، وكانت المفاجأة بأنَّ التعبيرات الجينية الخاصة بالبدانة قد انخفضت بنسبة 40% في المتوسط.

تسارعت بعدها الدراسات والأبحاث في الأوساط العلمية والبحثية، وقد خلصت إلى أنَّ كل ما نقوم به له تأثير مباشر أو غير مباشر، صغير أو كبير في التعبير الجيني، وأنَّ الامتناع عن التدخين وممارسة التأمل واليوغا وتجنُّب تناول المواد الغذائية المعلبة أو المعالجة كيميائياً كلها لا تحسِّن فقط من نوعية حياتنا؛ بل يمتد تأثيرها إلى أبنائنا وأحفادنا، وربما إلى أجيال عديدة، سواء بأثر تراكمي أم انتقالي؛ بمعنى أنَّ النسل الذي يمتلك جينات جيدة سيقوم بكل تأكيد بتحسينها واتباع أنظمة حياة مفيدة، ما يساهم في تحسين جينات الجيل الذي يأتي بعده.

ماذا عن أبناء مَن عاش في المعاناة؟

قد يكون الطريق أمامنا مفتوحاً لتغيير جيناتنا من أجل إنجاب نسل أفضل على جميع المستويات، من خلال تبنِّي العادات الصحية والإيجابية والانخراط في النشاطات الروحية والعلم والقراءة، لكن ماذا بالنسبة إلى أولئك الذين يُعانون في مناطق الحروب والاعتقال ويقضون حياتهم في ظل ظروف سيئة صحياً ونفسياً، ماذا بشأن أولادهم من بعدهم؟

للأسف لا نستطيع تغيير الماضي ولا نستطيع الرجوع إلى الخلف وإصلاح ما تدمَّر، ولا نستطيع إيقاف جميع الحروب والمآسي والمجاعات، لكن نستطيع أن نساعد من نستطيع مساعدته ضمن الإطار أو المحيط الذي نعمل به أو نعيش ضمن حدوده، ونحاول نشر المعرفة والوعي والتعليم قدر المستطاع؛ لأنَّ التاريخ أثبت أنَّ الطريقة الأفضل وربما الوحيدة للانتقال نحو واقع أفضل هو العلم والمعرفة.

في الختام:

قبل قراءة هذا المقال، ربما ظنَّنت أنَّ الجينات أمر محتوم ولا نستطيع تغييرها، وأنَّنا بصفتنا بشراً لا نستطيع الخروج من سجن الجينات التي تملي علينا ما تشاء، لكن تبين أنَّ كل شيء قابل للتغيير بشكل أو بآخر؛ لذا فإنَّ الخيار الآن هو خيارك، وهو خيارنا جميعاً، بأن نكون أقرب إلى بعضنا بعض ونتفاعل اجتماعياً ونخرج في الطبيعة ونستبدل عادة التدخين بعادات أخرى إيجابية، ونمارس الرياضة في الهواء الطلق، ونحاول نشر المعرفة وبلسمة جراح من نلقاهم في طريقنا.