تجربة شخصية: تجنب متابعة الأخبار لـ 30 يوماً

تجربة شخصية: تجنب متابعة الأخبار لـ 30 يوماً

ملاحظة: هذا المقال مأخوذٌ عن المدوِّن "جوني أوبينغ" (Jonny Auping)، ويُحدِّثنا فيه عن تجربته في تجنُّب متابعة الأخبار لـ 30 يوماً.

يثير السؤال هذا وجهات نظر مثيرة للاهتمام عن الواقع ودورنا فيه، ولكن ثمَّة جزء من اللغز لا جدال فيه، وهو أنَّ الشجرة سقطت بالفعل، وتحدث أمور كثيرة في العالم مهما حاولنا تجاهلها، فمنها ما يرهق الأعصاب ومنها ما يقسم الآراء بين مؤيد ومعارض.

تخيل الآن سقوط شجرة، فيسمع الجميع صوت ارتطامها على الأرض باستثنائك أنت؛ لأنَّك كنت على مشارف الغابة مغطياً أذنيك، وعند عودتك كان الجميع يتقاذفون اللوم بسبب سقوط الشجرة، أو يتحدثون عن أكثر الأشخاص تأثراً في ذلك، أو كيف يجب التصرف بعد هذه الحادثة، فتصبح تلك الشجرة حديث الغابة، لذا إذا سقطت شجرة في ظل ظروف كهذه، كم عليك أن تعمل جاهداً لتجاهلها؟ وما الذي سيفوتك جراء ذلك بالضبط؟

لن تتوقف الأخبار في العالم أبداً؛ فإذا أردتَ تجنبها إلى بعض الوقت، وحتى لو كان ذلك على سبيل التجربة، فيتعين عليك فرض بعض الحدود لنفسك، لذا تجنُّب وسائل الإعلام هي طريقة شائعة لتخفيف التأثير السلبي للإعلام في صحتنا النفسية؛ فإذا خففت من متابعتها وملء عقلك بسمومها، وسواء أكانت أخباراً تتعلق بالسياسة أم القضايا المثيرة للجدل أم الكوارث الطبيعية أم المآسي، فستشهد تحسناً بصحتك النفسية، لذا قررتُ بشيء من الخوف تجنب متابعة الأخبار لشهر لأكتشف مدى تأثير ذلك، فصَمَمْتُ أُذُنَي عن كل ما كان يجري من حولي.

تجنب متابعة الأخبار والتركيز على أشياء أخرى:

لطالما شعرت أنَّ البقاء على اطلاع بمجريات العالم مسؤولية بالنسبة إلي، فصحيح أنَّنا قد نرى أشياء تضايقنا في الأخبار، ولكنَّ فكرة عدم قدرتنا على فعل أي شيء حيال الأمر تقودنا تدريجياً نحو اللامبالاة، لذا عادةً ما أتحمل التوتر والقلق الناجم عن متابعة الأخبار.

يُقال إنَّ رجل الأعمال الأمريكي "وارن بافيت" (Warren Buffett) يقرأ ست صحف إخبارية يومياً، وشخصياً أقرأ عادة بعض العناوين الرئيسة بحلول موعد الإفطار، والتي تدور بعدها في رأسي دون أن تتشكل عندي فكرة كاملة عنها في أثناء تنظيف أسناني أو إطعام قطتي، ولكن بعد امتناعي لمدة شهر عن مواكبة ما يحدث في العالم ركزتُ انتباهي أكثر على الأشياء من حولي، سواء في المنزل أم في نفسي.

تأثير الأخبار في الدماغ:

على الرغم من أنَّ الأخبار محايدة وموضوعية بطبيعتها، لكنَّ تأثيراتها في المرء ليست كذلك؛ إذ يمكن أن يتعارض رأي شخصَين عن خبر ما تعارضاً كلياً، وتتطلب معالجة مشاعرنا تجاه الأخبار إدراك كيفية تأثيرها فينا وفي الآخرين إلى جانب بعض العوامل الشخصية الأخرى؛ فشيء من التهكم والانفتاح يمنحنا مساحة آمنة تبعدنا عن اللامبالاة بما نسمعه أو الإفراط في تحليل ما نراه لحد تحوله إلى سلوك مَرَضي.

تأثير تجنُّب متابعة الأخبار في الدماغ:

حتى عندما تبعد ذهنك عن الأخبار يكون دماغك معتاداً على تحليل الأمور بالطريقة نفسها، فعندما كنت أتصفح أحد مواقع التواصل الاجتماعي ذات يوم، متجنباً مشاهدة أي أخبار عاجلة شاهدتُ مقطع فيديو لقطيع من النمور السيبيرية في الصين تطارد طائرة دون طيار كانت تحلِّق في السماء، وذلك بعد أن ارتأيتُ عدم عدِّه "خبراً"، ومع ذلك قضيت عشر دقائق في دراسته كما أدرس وثائقياً سياسياً من العيار الثقيل.

كان الفيديو يؤثر في تحيُّزاتنا كما تفعل الصحافة الإخبارية: لذا فالنمور حيوانات رائعة مثلاً، كما أنَّه يدفعنا إلى طرح أسئلة مثل: ما الذي تنوي الصين فعله بالضبط من خلال هذه اللقطات الرائعة التي التقطتها طائرة دون طيار؟ إذ كان ذهني بعيداً عن الأخبار، ولكن ربما كان هذا شبيه بأعراض الانسحاب.

شاهد بالفديو: 6 طرق لمعرفة الأخبار الكاذبة

الشعور بالعزلة عن المجتمع:

عندما خرجت لشرب القهوة مع صديقٍ لي يعمل مراسلاً في بداية الشهر، فطلبتُ منه ألا نتحدث عن السياسة أو الأحداث الجارية، ولكنَّني شعرتُ بالحرج قليلاً عندما ساد الصمت بيننا، فما الذي يمكن أن يتحدث عنه المرء عندما لا يستطيع التحدث عما يجري في العالم؟

بدأتُ أشعر بالتوتر بعض الشيء بعد حوالي أسبوع من تجنب متابعة الأخبار؛ بسبب شعوري بالعزلة عن المجتمع، فاشتريت كتاباً "لهنري ديفيد ثورو" (Henry David Thoreau) بعنوان: "والدن" (Walden)، والذي يتحدث فيه عن الابتعاد عن الحضارة لمدة عامين والعيش في كوخ، ولقد لجأت إلى الكتاب هذا لأرى ما إذا كان الابتعاد عن أخبار العالم هو أمر جيد، ومن ثم خصصتُ وقتاً بعدها بأيام لقراءة طريقة احتفاء "ثورو" بالطبيعة الأم، حتى إنَّني قرأته في الهواء الطلق.

يكتب "ثورو": "لم يسبق لي أن قرأتُ أي خبر بقي في ذاكرتي في الصحف"، وبالنسبة إليه لم تكن الأخبار سوى تكراراً بسبب أشياء سمعناها من قبل، ويكمل "ثورو" قائلاً: "إذا قرأنا عن شخص تعرَّض للسرقة أو القتل أو لحادث أودى بحياته، أو عن منزل احترق، أو سفينة تحطَّمت، أو باخرة انفجرت، فلا نحتاج أبداً إلى قراءة أخبار أخرى عن نفس الحوادث؛ بل خبر واحد يكفي، فإذا كنت تدرك مبدأ تلك الأخبار، فما الداعي لقراءة أمثلة لا حصر لها منها؟".

إنَّها فكرة معقولة من أحد أعظم المفكرين في أمريكا، ولكن في الوقت نفسه، كان "ثورو" يقضي عدة ساعات يومياً في زراعة الفاصوليا في حديقته؛ ليس لأنَّه كان يحتاج إلى هذا الكم الهائل من الفاصوليا، بل لأنَّه كان يستمتع "بالمتعة اللامتناهية التي توفرها البلاد" على حد تعبيره، وإضافة إلى ذلك، لم أكن أرغب شخصياً برؤية الجانب الإيجابي من عدم متابعة الأخبار، فقد أتعبني التوتر الناتج عن تجنب الأخبار وإبعاد عيني عن أي عنوان رئيس أصادفه أكثر مما كنت أتوقع.

وقعت أحداث كتاب "والدن" حوالي عام 1845-1847 م، أي قبل وقت طويل من توفر الأخبار على مدار 24 ساعة، ولكن كيف يمكن لشخص بلوغ أي مستوى من التحفيز الفكري في القرن الواحد والعشرين عندما يبتعد عن الأحداث الجارية؟

لم يكن ذلك ممكناً بالنسبة إلي في بداية الشهر، وأردتُ العودة إلى متابعة الأخبار.

فوائد تجنب متابعة الأخبار:

لا أعلم بالضبط متى أصبح العيش دون متابعة الأخبار أسهل، ولكن أعلم أنَّني كنت على استعداد للاعتراف بذلك بعد مرور أسبوع تقريباً على شعوري به.

لم تأت تلك اللحظة إلا عند نهاية الشهر تقريباً خلال محادثة مع أحد معارفي، وهو روائي وكاتب في مجال التكنولوجيا ومدرب تنس، ولقد أصغى إلي حتى انتهيت من وصف الصعوبات والمشاعر التي سببتها لي التجربة قبل أن يذكر فجأة أنَّه لا يتابع الأخبار منذ عامين، فهو لا يهتم حتى بأحوال الطقس، بحجة أنَّ الناس يصرفون قدراً كبيراً من الطاقة في التخطيط لنشاطاتهم بناء على الطقس، والذي ربما لن يؤثر فيهم ذلك التأثير.

لم أتفاجأ من أنَّ صديقي قضى فترة طويلة دون متابعة الأخبار بقدر ما تفاجأت من المحادثات المثيرة للاهتمام التي أجريتها معه دون أن أدرك ذلك، ولقد كنت أتحدث عن استراتيجيتي في تجنُّب متابعة الأخبار في أغلب أحاديثي مع الناس في ذلك الشهر، وأدركتُ أنَّ لدينا كثيراً من الموضوعات الممتعة التي يمكن أن نتكلم عنها دون التطرق إلى الأخبار؛ فالمعلومات في كل مكان حولنا.

راحة الذهن الناتجة عن تجنب متابعة الأخبار:

بدأت أعراض الانسحاب تتضاءل بعد جلستي مع صديقي، ولم أكن أدرك ذلك حتى، إنَّما ذهني كان أكثر انفتاحاً على الإبداع والتأمل؛ فقد كنت أقضي 20 دقيقة في طريقي إلى المقهى في التفكر، وبعد مرور ثلاثة أسابيع أعددتُ طبقاً لذيذاً على العشاء دون أن أدرك أنَّه كان أول طبق جديد أعده خلال ثلاثة أشهر الماضية، وكما كتبت سيناريو لفيلم قصير بخط اليد في فترات الراحة القصيرة التي كنت آخذها بين المشاريع، إلى جانب أنَّني حاولت تعلُّم العزف على القيثارة، ولم يكن لدي مزيد من وقت الفراغ للقيام بهذه الأمور؛ بل مساحة ذهنية أكبر.

في الختام:

عدتُ لمتابعة الأخبار عندما انتهى الشهر؛ ولكنَّني كنت حريصاً على عدم جعلها شغلي الشاغل أو الأساس الذي أبني عليه كل شيء، كما حاولت أن أخفف من شعوري بالمسؤولية تجاه متابعة الأخبار، والذي كان مجرد مبرر لأستمر في القيام بالأمور كما اعتدت عليها، وعلى سبيل المثال: عاش "ثورو" بهدوء، ورفض دورة الأخبار المجتمعية اللامتناهية، ولكنَّ التاريخ سجل دوره الكبير في مقاومة الظلم؛ إذ كان أحد أبرز المؤيدين لحركة إلغاء العبودية في القرن التاسع عشر ومعارضاً لقانون الرقيق الهارب، ولقد كان ناشطاً في العالم أكثر من أن يأبه باستهلاك الأخبار.

قضيت معظم الشهر أتعامل مع الأخبار وكأنَّها دواء لا أستطيع العيش من دونه، ولكنَّني اكتشفتُ أنَّه يشبه إلى حد كبير الطقس؛ فمن غير المعقول تجنُّب كل جانب من جوانب الأخبار، وبعضها سيؤثِّر فيك بشكل مباشر، ولكن في كل صباح أمامك يوم جديد تستحق أن تعيشه، وذلك حتى لو كان الجو ماطراً.