إنعاش مستقبلك وتعزيز مزاجك من خلال التفاؤل

إنعاش مستقبلك وتعزيز مزاجك من خلال التفاؤل

ملاحظة: هذا المقال مأخوذٌ عن عالِم النفس السريري "فوريست تالي" (FORREST TALLEY)، ويُحدِّثنا فيه عن تمرين هام للغاية لزيادة التفاؤل والأمل بمستقبل أفضل والأسباب التي تدفعنا لذلك.

نتيجة لذلك نفقد تركيزَنا وتغيب الاحتمالاتُ والفُرَص الممكنة عن مرمى أبصارنا دون أن نُدرك ذلك، وتتحول نظرتُنا مع مرور السنين أكثرَ فأكثر نحوَ الحاضر الذي نعيشُه متقدِّمين في هذه الحياة بخُطىً متثاقلة وتدريجية لتلبية مُتطلَّبات كلِّ يومٍ نعيشُه؛ أمَّا الأحلامُ التي انطوَت على تلك الوعود المستقبلية في وقتٍ من الأوقات وغذَّت شعورَنا بالأمل والترقُّب والفرح، فتبقى حبيسة عقلنا الباطن.

خلال فصول الحياة ومواسمها هذه، قد يبدو من المستحيل توجيه نفسك نحو تلك النظرة الساحرة والمؤثِّرة في قصيدة "آني الصغيرة اليتيمة" (Little Orphan Annie) لمؤلفها "جيمس رايلي" (James Riley) التي تقول: "ستشرق الشمس غداً؛ لذا يجب عليك أن تنتظر حتَّى الغد مهما يحصل".

ربَّما تستمعُ لهذا الكلام دون إيمان بصدقه حقاً، فيبدو التفكير بأنَّنا نستطيع إيقاد شعلة التفاؤل الفتية ووهجِ الأمل المُفرِح بمستقبل سعيد من جديد أمراً بعيدَ الاحتمال وطفولياً حتَّى؛ إلَّا أنَّه قد لا يكون كذلك، فلعلَّ التفاؤل والتحلِّي بأملٍ للمستقبل أسهل مما تظن، ولكن لم يخبرْك أحدٌ بما تستطيع فعلَه لإعادة ملء مخزونك من التفاؤل والتفكير الإيجابي وإثارة المتعة المتجددة لحياتك.

في الواقع، إنَّ ما أفكر به بالتحديد لإعادة التفاؤل والأمل إلى الحياة ليس شراء سيارة رياضية أو الذهاب في رحلة إلى إحدى الجزر بالرغم من أنَّهما فكرتان جيدتان للغاية، بل إنَّ ما أفكر فيه أقلُّ تكلفة من السيارة الرياضية ويستغرق وقتاً أقل من أخذ عطلةٍ ما، ولكنَّ مفعوله كبير وأقوى بكثير من الفكرتَين السابقتَين كما أنَّه يدوم لفترة أطول أيضاً.

تمرين "تحسين الذات":

تبيَّن أنَّ التفكير بالحال الذي ستؤول إليه الحياة في المستقبل في مرحلة الطفولة أو المراهقة - حَيْثُ يميل الشخص دوماً إلى المستقبل ويتطلع إليه - يؤثِّر بصورة عظيمة وهامة في زيادة التفاؤل وتحسين الحالة المزاجية للإنسان ورفع معنوياته؛ وقد بدأ علماء النفس منذ أكثر من عشرين سنة بإجراء الأبحاث المتعلقة بكيفية الاستفادة للحدِّ الأقصى من التأثير النافع الذي قد ينجم عن تسخير هذا النوع من التفكير؛ لذا ابتكروا تمريناً بسيطاً للغاية في الواقع ويستغرق بضعَ دقائق يومية فقط؛ فتقضي ذلك الوقت في تخيُّل كيف يمكن أن تكون حياتك بوضوحٍ ويُفترَض بك أن تطور ذاتك وتصبح شخصاً أفضل.

يلخِّص الباحث "أوتبال دولاكيا" (Utpal Dholakia) وهو بروفيسور في "جامعة رايس" (Rice University) الأمريكية التمرينَ السابق بقوله: "اكتُشِفَ هذا التمرين في الأصل من قبل عالمة النفس "لورا كينغ" (Laura King) في عام 2001، فتُظهِر عدة دراسات في السنوات الخمس أو الست الماضية أنَّ ممارسة تمرينٍ تخيُّليٍّ بسيطٍ يمكنه تعزيز التفاؤل لدى أي شخص، وهو ما يدعوه علماء النفس بتحسين الذات؛ وبتعبير أبسط، يتضمن هذا التمرين إنشاء صورٍ حيَّة داخل ذهنك للأحداث والتطوُّرات الإيجابية الحاصلة في المستقبل، ومن ثمَّ تخيُّل نفسِك في وسط تلك الأحداث".

قبل أن أمضي قدُماً وأستعرض الخطوات البسيطة لزيادة التفاؤل، أودُّ أن أذكر سريعاً الأسباب التي تدفعُك للمحاولة وبذل المجهود في سبيل ذلك؛ وإليك عدة أسباب:

  • حين تكون أكثر تفاؤلاً، تصبح أكثر سعادةً؛ وهو ما يُعَدُّ أمراً جيداً ومفيداً بالنسبة إليك وإلى الآخرين من حولك.
  • كلَّما زاد تفاؤلك، قلَّ احتمال تعرُّضك للأمراض الجسدية.
  • يؤدي التفاؤل دورَ حاجزٍ أو عائق في وجه الاكتئاب، كما أظنُّه عائقاً أمام الإصابة بالقلق أيضاً؛ ولا يُعدُّ في الواقع حاجزاً مثالياً أمام الإصابة بالاكتئاب بصورة مُؤكَّدة، ولكن باستطاعته دون شك التخفيف من حدة الاكتئاب، وقد يكون مع مرور الوقت عاملاً هاماً في حلِّ مشكلة الاكتئاب.
  • الشخص المتفائل يشعر بألم أخف من غيره.
  • شاهد بالفيديو: 10 خطوات بسيطة لنشر التفاؤل والطاقة الإيجابية

    ما ينبغي فعلُه لزيادة التفاؤل:

    كرِّسْ 10-20 دقيقة من وقتك الخاص كلَّ يوم وتأكَّدْ من ألَّا تتعرض للمُقاطَعة أو التعطيل، من خلال وضع لافتة تنصُّ على عدم الإزعاج على بابك أو ترك هاتفك المحمول في غرفة أخرى أو إرسال الأطفال إلى المدرسة؛ كما ينبغي عليك رسم دائرةٍ في جدول مواعيدك حول ذلك الوقت من يومك مُشيراً إلى أنَّ لديك موعداً مع نفسك.

    إنَّ لذلك أهمية كبيرة؛ فمن خلال كتابة ذلك التوقيت أو الموعد في جدول أعمالك، يُصبح من المُرجَّح أكثر أن تلتزم ببرنامج مهامك، وهو ما يُعدُّ أمراً أساسياً وهاماً جداً؛ لأنَّك لن تتمكن من تحصيل فوائد ومزايا جهودك إن لم تتَّبعْ جدول أعمالك بصورة دقيقة؛ كما تحتاج أيضاً لشيئين إضافيين لتصبحَ جاهزاً تماماً؛ وهما مكان مُريح للجلوس وقلمٌ مع رزمة من الورق؛ والآن خُذْ عدَّة أنفاس عميقة، وضَع العوامل المسبِّبة للتوتر وضغوطات اليوم التي تمرُّ بها جانباً للحظة، وما عليك سوى الشعور بالراحة فحسب وترك جسدك يبدأ بالاسترخاء على الكرسي أو الأريكة التي تجلس عليها.

    أما بالنسبة إلى الجزء الحاسم والأكثر أهميةً من هذا التمرين، فعليك أن تبدأ بالتفكير بالشكل الذي ستكون عليه حياتك لو طورتَ نقاط قوتك بصورة كاملة، وكذلك قلَّلْتَ من نقاط ضعفك إلى أدنى حدٍّ ممكن؛ ولا يُعَدُّ هذا التمرين خيالياً أو وهمياً لأنَّه ليس مسألةَ تفكيرٍ بمدى روعة شعورك حين تفعل أشياء خارقة كأن ترفرف بيديك وتطير أو تطوِّر قدرتك على الانتقال الفوري إلى الكواكب الأخرى، فهذه الأشياء عبارةٌ عن خيالٍ محض، بينما تستند المهمة في تمريننا هذا على الواقع.

    ترجع جذور أساس هذا التمرين إلى تقييم نقاط القوة الحقيقية التي تمتلكُها، ونوعية التأثير التحويلي الذي ستُحدِثُه لو طوَّرتَها وعزَّزتَها وصولاً إلى الحد الأقصى لإمكاناتك؛ ومع وضع ذلك في الحسبان، اكتُبْ كيف ستكون حياتُك لو حدث هذا، وتخيَّلْ أحلامك وطموحاتك وتطلُّعاتك وأنت في أوج قوتك.

    تعامَلْ مع هذا التمرين بعقلية أنَّك عملتَ جاهداً للوصول إلى أعظم أهدافك وأنَّها تحقَّقت في النهاية بالطريقة التي تخيلْتَها تماماً، ولا تقلقْ بشأن الأخطاء الإملائية والنحوية في أثناء الكتابة فما من أحدٍ يدقّقها ويصحح كلماتك، بل إنَّك تكتب لنفسك فقط.

    إقرأ أيضاً: 25 طريقة لشحن نفسك بالطاقة الإيجابية

    لذا ركزْ على أهدافك الأكثر أهمية، وقد يكون من المفيد تقسيمُها إلى عدة فئات، ومن أمثلتها:

    على سبيل المثال، يمكن أن تركز على كيفية تعميق أو تعزيز إحدى صداقاتك وجعلها داعمة وموثوقة أكثر، ومعنى ذلك وتأثيره في حياتك ومشاعرك، وإن كان سينتهي بك الأمر بالسفر مع ذلك الصديق أو الذهاب في مغامرة معه أو الإحساس بارتباط عميقٍ معه على مرِّ السنين.

    بالنسبة إلى الإنجازات الشخصية، يمكنك أن تكتب عن العودة لممارسة التمرينات الرياضية وتأثير ذلك في شعورك وأحاسيسك، والنشاطات التي ربَّما تُتيح لك الاستمتاع، أو الفرق الذي قد تُحدِثُه تلك النشاطات في طريقة قضائك لكلِّ يومٍ من أيامك.

    من ناحية أخرى، قد تتمتَّعُ ببعض القدرات والمواهب الموسيقية وتقررُ التفكير مُطوَّلاً فيما قد يحدث لحياتك لو طوَّرتَ تلك المواهب تطويراً كاملاً؛ فيمكن لذلك أن يوسِّع دائرة صداقاتك أو يمنحك الفرصة لتقديم عروضٍ موسيقية في الأماكن المحلية أو يفسح لك مجالاً للتعبير عن نفسك بطرائق غير ممكنة حالياً.

    ليس عليك أن تذكر أو تكتبَ عن كل نوعٍ من أنواع التطور والنمو في كل مرة تجلسُ فيها للتأمُّل والكتابة، بل اخلطْ بينهم بعضَ الشيء وانظرْ ماذا يحدث عندما تركز على إحدى نواحي تحسين الذات مقابل الأخرى.

    شاهد بالفيديو: 8 طرق لرسم الابتسامة على وجهك

    تأكَّدْ من ممارسة ذلك التمرين يومياً لمدة أسبوع، ومن ثمَّ ثلاث أو أربع مراتٍ أسبوعياً بعد ذلك، إذ سيُصبح هذا التمرين في النهاية بمقدار ساعة أسبوعياً بمُجرَّد أن تواصل ممارسته وتسترسل في تنفيذه؛ وإن وجدتَ أنَّه مقدارٌ مبالغ فيه من الوقت الذي يجب تكريسُه لزيادة سعادتك وتحسين حياتك، ففكِّرْ كم من الممكن أن يحسِّن من حياة الآخرين أيضاً؛ فسوف يستفيد شريكُ حياتك من زيادة تفاؤلك وسعادتك في الحياة، ولأطفالك وزملائك في العمل وأي شخصٍ تتعامل أو تتواصل معه تقريباً.

    يدفعُك هذا التمرين للمُضي قدُماً في حياتك، وستكبر سعادتك شيئاً فشيئاً، مما سيؤثِّر بصورة إيجابية في حياة الأشخاص الذين تتعامل معهم أيضاً؛ ففي النهاية، كثيراً ما يكون الأشخاص السعداء أُناساً يحسِّنون من حياة الآخرين من حولهم؛ فرغم إمكانية تأثير الأشخاص التعساء في الآخرين، إلَّا أنَّ احتمال تأثير الناس السعداء في غيرهم أكبر بكثير؛ والمغزى هو أنَّ الجهود التي تبذلها لتحسين ذاتك تعود بالفائدة عليك وعلى الأشخاص المحيطين بك.

    في الختام:

    هذا التمرين بسيطٌ للغاية ويستغرق 10-20 دقيقة يومياً لمدة أسبوع، ومن ثمَّ عليك متابعته بعد ذلك بتواتر أقل كلَّ يومين تقريباً إن كنتَ تفضِّل ذلك؛ ولكن أهمُّ ما في الأمر هو المحاولة، فلا تؤجِّلْه أو تطيل التفكير لاتخاذ هذا القرار، وما عليك سوى المضي قدُماً والاستمتاع بفوائد تعلُّم كيفية أن تحلم أحلاماً كبيرةً وعظيمة من جديد.