مفهوم الانكماش الاقتصادي وتأثيره على الأعمال

مفهوم الانكماش الاقتصادي وتأثيره على الأعمال

الاقتصاد علم واسع يدرس الوضع الإقليمي أو العالمي أو المحلي ويركز على سلوك المنتجين والمستهلكين، وظاهرة عدم الاهتمام بالوضع الاقتصادي منتشرة بكثرة وفي كل مكان، ربما نتيجة الصورة السلبية المحفورة في أذهان كثير من الأشخاص بأنَّ المتخصصين يستخدمون لغة غير مفهومة نتيجة غياب الخلفية المطلوبة لفهم المصطلحات الاقتصادية.

لكن لا يمكن عزل الاقتصاد عن حياة الناس وأعمالهم التجارية، فالتغيرات الاقتصادية تترك أثراً كبيراً في الحياة اليومية للجميع على اختلاف المهنة والأعمال، ويمكن تشبيه التغيرات الاقتصادية المفاجئة بالأمراض التي تصيب الاقتصاد فتضعفه وتدهِور حالته؛ ويعني ذلك تدهور حالة الأعمال التجارية المختلفة.

أبرز تلك الأمراض هي التضخم والركود والكساد والانكماش الاقتصادي ولكلٍّ منها أسبابه وطرائق التعامل معه وعلاجه لاستعادة الوضع الطبيعي، وواجبنا جميعاً الإلمام بتلك المصطلحات لنستطيع فهم ما يدور في محيطنا، ولنتمكَّن من التطرق للحديث عن التغيرات الاقتصادية مع الآخرين؛ لذا سنتحدَّث في هذا المقال عن مفهوم الانكماش الاقتصادي وتأثيره في الأعمال التجارية في حياتنا.

مفهوم الانكماش الاقتصادي:

يشير مصطلح الانكماش الاقتصادي إلى الانخفاض في النشاط الاقتصادي، فينخفض مستوى الأسعار العام للسلع والأصول مع الزيادة في القوة الشرائية للعملة، فتزداد كمية الخدمات التي يمكن شراؤها بالعملة النقدية نفسها مقارنة بالسابق، وقد يبدو الانكماش الاقتصادي أمراً جيداً، فالناس ستتمكَّن من شراء ما صَعُب عليها شراؤه سابقاً، ولكنَّه يشير إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي.

تعد حالة الانكماش الاقتصادي هي المرحلة التي تلي مرحلة النمو، ويمكن أن يكون سمة إيجابية، وقد يحمل آثاراً سلبية في الاقتصاد، ويجب أن نميز بين الانكماش الاقتصادي وخفض التضخم؛ فكليهما يشيران إلى الانخفاض في أسعار السلع، ولكنَّ انخفاض التضخم يعني أنَّ الأسعار ترتفع ولكن ببطء شديد، ويُستخدَم هذا المصطلح عند الانتقال من معدل تضخم سنوي كبير إلى معدل تضخم سنوي منخفض، ويشير أيضاً الكساد إلى الانخفاض الكبير في الناتج المحلي والركود الاقتصادي الشديد، لكنَّ الفرق بينه وبين الانكماش الاقتصادي هو أنَّ الانكماش لا يستمر لفترة طويلة كما الكساد.

كيفية حدوث الانكماش الاقتصادي:

يحدث بوجود عدة سياسات متبعة تؤدي إلى حدوث الانكماش الاقتصادي وهي كما يأتي:

1. السياسة النقدية الانكماشية:

يمكن أن تفرض هذه السياسة البنوك المركزية، فيتم تقليل المعروض النقدي المتاح للمستهلكين باتباع عدة أمور، مثل رفع متطلبات الاحتياطي النقدي، ومن ثم البنوك التجارية لن تتمكن من منح القروض للمستهلكين نتيجة ما تفرضه البنوك المركزية من زيادة في نسبة الاحتياطي النقدي، أو رفع أسعار الفائدة، ومن ثم المستهلكين لن يتمكنوا من توفير دخل للاستثمار، أو بيع الأوراق المالية للمستثمرين، ومن ثم تقليل النقد المتاح للمستهلكين.

2. السياسة المالية الانكماشية:

التي يمكن أن تفرضها الحكومة، فتقوم بتقليل الإنفاق العام على الأفراد، وبنفس الوقت تفرض زيادة في الضرائب عليهم نتيجة رغبة الحكومة في خفض عجز الميزانية لديها وحل المشكلات المالية، فيؤدي ذلك إلى انخفاض دخل الأفراد المستهلك، ويسمى ذلك بتقليل المعروض النقدي المتاح للمستهلكين.

3. انفجار الفقاعات المالية:

تنتج عن ذلك مشكلات وأزمات مالية تتسبب في تقليل المعروض النقدي، فيصبح النمو الاقتصادي في الدولة بطيئاً.

4. انخفاض CPI:

هو مؤشر أسعار المستهلك الذي يُستخدَم ليقيس الانكماش الاقتصادي والتضخم أيضاً، فعندما ينتقل المؤشر من مرحلة مرتفعة إلى أقل فينتج عن ذلك انخفاض في الأسعار.

5. زيادة المعروض من السلع وانخفاض الطلب عليها:

عندما ينخفض النقد المتاح للمستهلكين لن يتمكنوا من شراء السلع كالسابق، ومن ثم يقل الطلب على الخدمات والسلع المختلفة، فتزداد في السوق ويتم خفض أسعارها لتقليل المعروض.

قد ينتج الانكماش الاقتصادي عن أسباب أخرى مثل:

6. التراجع في الثقة:

وجود أحداث عالمية معاكسة مثل انتشار وباء عالمي، يؤدي إلى قلق الناس وعدم ثقتهم بما يحدث من متغيرات اقتصادية، فيدفعهم ذلك إلى التقليل من إنفاق الأموال وانخفاض الطلب على السلع والخدمات.

7. التحولات الهيكلية في الصناعات:

يعتقد بعض الاقتصاديين أنَّ تلك التغيرات تسبب الانكماش الاقتصادي، فمثلاً ارتفاع أسعار النفط أو دخول التكنولوجيا إلى كثير من الصناعات يُحدِث تغيرات هيكلية فيها.

شاهد بالفديو: أكبر 5 تحديات في الاقتصاد العالمي الجديد وطرق مواجهتها

كيفية قياس الانكماش الاقتصادي:

يمكن قياس الانكماش الاقتصادي بواسطة عدة مؤشرات أبرزها ما يأتي:

1. GDP:

هو حجم الناتج المحلي الإجمالي والذي يتم حسابه لقياس حجم الإنتاج الاقتصادي، ويدل تراجعه على إمكانية وجود انكماش اقتصادي.

2. نسبة البطالة:

تخبرنا دائماً نسبة البطالة بالوضع الاقتصادي الراهن الذي تعيشه دولة ما.

3. نسبة الإنفاق الاستهلاكي:

والذي يشير إلى حالة الطلب على الخدمات والسلع، فتراجع الطلب من الإشارات القوية على الانكماش الاقتصادي.

4. الانخفاض في أسعار الخدمات والسلع:

يرتبط الانكماش الاقتصادي ارتباطاً وثيقاً بانخفاض الأسعار.

5. حجم الصادرات والواردات:

تعد التجارة الخارجية أيضاً مؤشراً على الحالة الاقتصادية الحالية، فيدل تراجع الصادرات والواردات على وجود انكماش اقتصادي.

تأثير الانكماش الاقتصادي في الأعمال التجارية:

يؤثر الانكماش الاقتصادي في الجميع، وتشمل تأثيراته ما يأتي:

1. تأثير الانكماش الاقتصادي في مستوى اقتصاد الدول:

يترك الانكماش الاقتصادي آثاراً كثيرة في اقتصاد الدول، فيتسبب بانخفاض إيرادات حكومات الدول من الضرائب والرسوم، ومن ثم ستقل الخدمات التي تقدمها الدولة وتتوقف الخطط التي تعمل على تنفيذها؛ أي تتراجع الاستثمارات، فينتج عن ذلك ضعف النمو الاقتصادي في الدولة على الأمد الطويل، كما تتراجع العلاقات التجارية، وبالطبع سيؤدي ذلك إلى زيادة في معدلات التضخم.

2. تأثير الانكماش الاقتصادي في مستوى سوق الأسهم:

ينتج عن تأثير الانكماش الاقتصادي في الإنتاجية وتراجعها انخفاضٌ في أرباح الشركات المختلفة، ومن ثم يؤدي ذلك إلى انخفاض في القيمة السوقية للشركات وفي قيمة أسهمها وتقليص استثماراتها في الأسواق المالية.

3. تأثير الانكماش الاقتصادي في مستوى العملة المحلية:

يؤدي تأثير الانكماش الاقتصادي في أسعار الخدمات والسلع المختلفة إلى انخفاضها، وسيؤدي بالمقابل إلى ارتفاع قيمة العملة المحلية، فيتمكن المستهلك من شراء كمية أكبر من السلع والخدمات، وهو أمر إيجابي بالنسبة إلى المستهلك ولكنَّه ضار جداً للتجار ورجال الأعمال المستثمرين.

4. تأثير الانكماش الاقتصادي في المعادن الثمينة والعملات الرقمية:

يؤدي الانكماش الاقتصادي إلى ارتفاع واضح في أسعار المعادن الثمينة، فيعدها الناس في هذه الحالة ملاذاً آمناً لهم، فيزداد الطلب عليها، وعلى النقيض من ذلك قد يتسبب الانكماش الاقتصادي في تراجع ثقة المستثمرين بالعملات الرقمية فتتراجع قيمتها ويتراجع حجم التداول فيها، ومن وجهة نظر أخرى قد يحدث تراجع في سوق المعادن الثمينة نتيجة اعتقاد كثير من المستثمرين أنَّ الحفاظ على مدخراتهم ضمن الأصول الثابتة أكثر أماناً.

5. تأثير الانكماش الاقتصادي في الأفراد:

تزداد البطالة عند حدوث الانكماش الاقتصادي؛ لأنَّ انخفاض أرباح الشركات يدفعها إلى تخفيض تكاليف الإنتاج من خلال تسريح العمال، وتقل فرص العمل الجديدة والوظائف، وبالرغم من انخفاض الأسعار تعجز معظم من الأسر عن تأمين احتياجاتها من سكن ورعاية صحية وغذاء؛ لذلك يرتبط ارتفاع حالات الفقر بالانكماش الاقتصادي ارتباطاً وثيقاً.

كيفية مواجهة الانكماش الاقتصادي:

توجد عدة إصلاحات اقتصادية يمكن من خلالها مواجهة الانكماش الاقتصادي ومعالجته:

1. التحفيز النقدي:

يمكن أن تلجأ البنوك المركزية إلى التخفيض من أسعار الفائدة، ويعد ذلك خطوة هامة لتحفيز الاستثمار وزيادة الطلب على الخدمات والسلع وزيادة الإنفاق.

2. التحفيز المالي:

هي الخطوة التي يمكن للحكومة اتخاذها لتحفيز الاستثمارات الخاصة، فتقوم بزيادة إنفاقها على الخدمات العامة وعلى تنفيذ المشاريع، ويساعد ذلك على توفير كثير من فرص العمل والوظائف الجديدة.

3. تنظيم وتعزيز التجارة الداخلية:

تراقب الدولة الأسواق لضبط الأسعار وتقليل أثر الانكماش الاقتصادي فيها، كما تعزِّز التجارة الداخلية من خلال الاتجاه نحو الاتفاقيات الدولية التي تساعد على تعزيز الصادرات، فتحقق عائدات أكبر بالقطع الأجنبي، كما تحفز الطلب على المنتجات المحلية والسلع والخدمات.

4. تحفيز الاستثمار في التعليم:

يساعد التوجه إلى ضخ الأموال في التعليم والتدريب على مواجهة الانكماش الاقتصادي، فيساعد ذلك على تحسين المهارات والخبرات الإنتاجية لدى العمال ويشجع ذلك المشاريع الريادية.

شاهد بالفديو: 7 طرق للتغلب على الظروف الاقتصادية العصيبة

في الختام:

يطلق الانكماش الاقتصادي على الفترة التي تنخفض فيها أسعار السلع والمنتجات المختلفة بمرور الوقت وزيادة في القوة الشرائية للعملة في الوقت ذاته، فتحدث زيادة في الإنتاجية ووفرة في السلع، وينتج الانكماش الاقتصادي عن عدة سياسات اقتصادية مثل السياسة النقدية الانكماشية التي تفرضها البنوك المركزية أو السياسة المالية الانكماشية التي تفرضها الحكومة، إضافة إلى أسباب أخرى ذكرناها آنفاً.

يُقاس الانكماش الاقتصادي من خلال حساب الناتج المحلي الإجمالي ونسبة البطالة ونسبة الإنفاق الاستهلاكي وانخفاض الأسعار، ويترك الانكماش الاقتصادي آثاراً واضحة في اقتصاد الدول، فتتراجع العلاقات الدولية والاستثمارات، وعلى مستوى سوق الأسهم ومستوى العملة المحلية فترتفع قيمتها بشكل واضح فيضر ذلك المستثمرين، وأيضاً يؤثر في سوق المعادن الثمينة والعملات الرقمية، أما على مستوى الأفراد فيتسبب الانكماش الاقتصادي بارتفاع نسبة الفقر لانتشار البطالة بشكل كبير.