مفهوم الاكتفاء الذاتي وكيفية تحقيقه في حياتك

مفهوم الاكتفاء الذاتي وكيفية تحقيقه في حياتك

وأن تكون زمام أمورك متفلِّتة من بين يديك ومعلَّقة بيدي شخص آخر، فتتصرف وفق مزاجه لا مزاجك أنت، ووفق تقديره لحاجتك لا وفق حاجتك فعلاً؟

العبارة البليغة المذكورة آنفاً تكشف كمية الحرية والسعادة التي يتمتع بها الإنسان المستقل المكتفي بذاته، وتوضِّح أنَّ مفهوم الاكتفاء الذاتي لا يعني أبداً التنصل من الآخرين والتخلي عنهم بشكل كامل؛ بل تعني أن يمتلك كل شخص القدرة على التحكم بأموره الشخصية والمالية والاجتماعية والعاطفية وإدارتها بعيداً عن تسلط أي شخص آخر؛ لذا إنَّ توضيح مفهوم الاكتفاء الذاتي وكيفية تحقيقه في حياتك اليومية هو موضوعنا لهذا اليوم، فأهلاً بك أيها الباحث عن الاستقلال والسيادة.

مفهوم الاكتفاء الذاتي:

يمكن تعريف مفهوم الاكتفاء الذاتي على أنَّه حالة عميقة من الإيمان بالذات، تدفع الإنسان إلى السعي إلى تلبية احتياجاته النفسية بنفسه، فلا ينتظر أن تمتد له يد العون أو الشفقة من الآخرين، ولا ينتظر حدوث المعجزات، ولا يعلِّق آماله على الظروف الخارجية، وتكون جميع علاقاته مبنية على مبدأ الاختيار لا الحاجة أو الضرورة.

يشار إلى مفهوم الاكتفاء الذاتي بمصطلح الامتلاء الذي يعني أن يقطع الإنسان شوطاً بعيداً في تقديره لذاته وثقته بنفسه وتصالحه معها، وهذا ينطوي على تقبُّله لعيوبه والعمل على إصلاحها، واعتداده بميزاته والسعي إلى تعزيزها في سبيل تطوير شخصيته بشكل تراكمي.

لكي يبلغ الإنسان هذا المستوى من الوعي والاستحقاق المرتفع، لا بد له من تحقيق الاستقلال المالي الذي يقود بدوره إلى الاستقلال النفسي والشعوري، فلا يمكن لشخص يعيش على إعالة شخص آخر له أن يتمتع بالاكتفاء الذاتي الذي ينشده كل إنسان.

لقد استقت الدول والسياسات هذا المفهوم، فأصبحت تستخدم مصطلح الاكتفاء الذاتي على الدول التي تستطيع الاستغناء عن استيراد المواد من الخارج، وسد احتياجات سكانها من الإنتاج المحلي بكافة أشكاله.

كيفية تحقيق الاكتفاء الذاتي في حياتك اليومية:

إذا ما كنت تنشد أيها القارئ الوصول إلى درجة عليا من الاستقلال في القرارات الحياتية الخاصة بك، لا بد لك إذاً من أن تعرف كيفية تحقيق الاكتفاء الذاتي في حياتك اليومية؛ لأنَّه سيكون الضامن لك بأن تكون سيد نفسك، وسيكون حينها إصغاؤك إلى نصائح الآخرين وتوجيهاتهم من باب الاستئناس والمشورة لا من باب الفرض والواجب، فدعنا إذاً ندخل في كيفية تحقيق الاكتفاء الذاتي في حياتك اليومية:

1. تحقيق الاستقلال المالي:

إنَّ تحقيق الاستقلال المالي هو الخطوة الأولى نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في حياتك اليومية، فمثلاً الدول التي تحتاج إلى إعانات من دول أخرى تدفع ثمن ذلك تدخُّلاً في قراراتها وسيادتها، والأمر عينه ينطبق على الإنسان الذي يتلقى مصروفه ودخله المالي من شخص آخر مهما كان قريباً مثل الأب والأم والزوج.

يضمن تحقيق الاستقلال المالي للإنسان الحرية المالية، ويمكن الوصول إليه عبر العمل في وظيفة أو عمل خاص يحقق دخلاً مالياً كافياً، فضلاً عن كونه يعزز شعورك بأهميتك وثقتك بنفسك وتقديرك لذاتك.

كيف ستحقق الاكتفاء الذاتي وتستقل في السكن عن والديك وتعيش الحياة بالطريقة التي ترغب بها ووالدك هو من يدفع أجور سكنك؟ وإذا ما رغبت بأن تحقق الاكتفاء الذاتي، فيجب عليك أن تجد لنفسك عملاً يحقق لك مكاسب مادية تكفيك لأداء التزاماتك وتحمُّل مسؤولياتك.

شاهد بالفديو: نصائح وإرشادات لتصبح مستقلاً مادياً

2. الاستقلال العاطفي:

لا يقل الاستقلال العاطفي أهمية عن الاستقلال المادي في تحقيق الاكتفاء الذاتي في حياتك اليومية؛ بل هو مرحلة يجب أن تسبق الاستقلال المادي، ويعني الاستقلال العاطفي أن تمتلك مهارات الذكاء العاطفي التي تساعدك على تعريف مشاعرك وتحديدها والتعامل معها بشكل صحي وواعٍ بعيد عن الانفعال الأحمق، وهو السر وراء براعتك في إنشاء علاقات متوازنة مع نفسك والآخرين، فهو الذي يتيح لك رؤية الأمور من منظورهم ووفق سوياتهم العقلية والإدراكية، ومن ثمَّ فهمهم والتعاطف معهم والتواصل معهم بشكل فعال.

يوصلك الاستقلال العاطفي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، فهو يغنيك عن حاجتك إلى شخص يهتم بك، فأنت لا تقصِّر في الاهتمام بنفسك، ويجنِّبك الفضفضة لشخص ما من أجل إعادة ترتيب أفكارك، فأنت لنفسك خير صديق، كما أنَّه يحررك من التعلق المرضي وغير الآمن بالوالدين والأصدقاء والشركاء، ويعلِّمك كيف تنشئ مسافة الأمان الفعالة والضرورية في كل علاقة، وهذا يساهم في جعل علاقاتك الإنسانية اختيارية كما قلنا آنفاً، وليست مبينة على الحاجة لملء الفراغ أو التعلق غير الصحي.

3. تقدير الذات:

كيف ستعي الطرائق نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في حياتك اليومية وأنت لا تجد نفسك أهلاً للامتلاء بها؟ فمن الضروري أن تقدِّر ذاتك وترفع من قيمتك الذاتية، وأن تعمل لإرضاء نفسك لا لإرضاء الآخرين والاستحواذ على اهتمامهم وانتباههم، وإياك أن تنتظر تقييم الآخرين واحترامهم لك حتى تحترم ذاتك وتعرف قدرها.

أنت مخلوق الله المفضَّل والمكرَّم على سائر المخلوقات الأخرى، وقيمتك تنبع من إنسانيتك وهذا كافٍ، فلا داعي لأن تكون شخصاً آخر لا يشبهك فقط لكي تنال استحسان الآخرين ومديحهم؛ بل امدح ذاتك وقدِّرها وكافئها على إنجازها مهما بدا لك بسيطاً وصغيراً.

على سبيل المثال، لا تنتظر أن يُعِدَّ أصدقاؤك حفلة تخرُّجك ليُحضِروا لك الهدايا، فاختر لنفسك هدية تحبها، وهنا ستكون هدية الأصدقاء - إن أتت - إضافة جميلة، ولكنَّك لست في حاجة لمن يقدِّر إنجازك فأنت قدَّرته أولاً، وهذا هو الهام.

4. عدم رفع سقف التوقعات بالآخرين:

إنَّ رفع سقف التوقعات بالآخرين يعني التعويل عليهم، ومنحهم أداة التحكم بحياتك ومشاعرك وأعمالك، فإذا أردت تحقيق الاكتفاء الذاتي في حياتك اليومية، فيجب عليك ألا تتوقع منهم شيئاً كبيراً أو تفترض الأسوأ في المواقف لتحتاط له لا من أجل أن تتشاءم، فالتوقعات العالية إذا ما خابت تجلب لك الخذلان والانكسار، وينتج عنها تعلُّق غير صحي وغير آمن.

لنفترض أنَّ فكرة مشروع عظيمة خطرت في بالك، ولكنَّك لا تملك المال لتطبيقها، فطلبت من صديقك مثلاً أو أحد أقاربك أن يقرضك المال، ولكنَّه لم يقتنع بفكرتك، ولم يجد فيها ما يستحق المجازفة بمبلغ مالي كبير.

في حال كنت قد طرقت باب صديقك وأنت واثق 100% أنَّ من واجبه أن يقرضك المال، فهذا مؤشر إنذار كبير بأنَّك ترفع سقف توقعاتك كثيراً، وبالتأكيد فإنَّك ستحمِّله مسؤولية بقائك فقيراً أو عاطلاً عن العمل طيلة حياتك، أما إذا ما ساورك الشك ولو 1% وكان رفضه متوقَّعاً، فهذا أفضل، وهنا بالتأكيد يجب أن تكون قد وضعت في حسبانك خطة بديلة للحصول على المال، مثل الاقتراض من المصرف أو رهن عقار.

5. التعرف إلى ذاتك:

قد تظن أنَّ عبارة "فلان لا يعرف ذاته" عبارة غير منطقية، ولكنَّها للأسف عبارة واقعية تصف حال كثير من الأشخاص وتحول بينهم وبين تحقيق الاكتفاء الذاتي في الحياة اليومية، ولنفترض أنَّكِ تزورين جارتك كل يوم منذ ساعات الصباح الأولى وحتى المساء، وإذا ما سألك أحد لماذا؟ تجيبين بأنَّها الطريقة الوحيدة التي تسلِّين وحدتك بها، ولكنَّ هذا للأسف لا يدل إلا على أنَّك لا تعرفين ذاتك.

إنَّ معرفة الذات التي تقود إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي تستند بالضرورة إلى إجابات نردُّ بها على تساؤلاتنا الخاصة؛ مثل من أنا؟ وكيف أستمد قيمتي؟ وما الذي يفرحني؟ وما الذي يغضبني؟ وما الذي يسلِّيني؟ وما الذي يخيفني؟ وغير ذلك من الأسئلة التي يجب أن يطرحها كل إنسان على ذاته ويجد لها إجابات واضحة يقوم على أساسها بصياغة أسلوب حياته.

قد تكون القراءة أو مشاهدة الأفلام أو زراعة النباتات أو تربية حيوان منزلي أليف طرائق مناسبة لملء وقتك بمعزل عن الجارة، وهي أساليب تضمن لك الشعور بالألفة والتسلية إذا ما قررت جارتك الانتقال إلى أمريكا الجنوبية إلى الأبد.

6. تعلُّم فعل الأشياء بنفسك:

إذا ما أردت تحقيق الاكتفاء الذاتي في حياتك اليومية والاستغناء عن الاستعانة بالآخرين، يجب عليك أن تتعلم فعل بعض الأشياء التي تكون عادةً سبب استدعاء الآخرين إلى حياتك، ولا شك أنَّك رأيت بعض مرضى السكري يحقنون أنفسهم بالأنسولين، وإذا ما سألتهم عن السبب، فسيجيبون بأنَّ مرض السكري مرض مزمن وأنَّ حاجتهم إلى هذا الدواء قد تكون يومية فهل سيطرقون أبواب الآخرين كل يوم وحتى نهاية حياتهم من أجل أداء مهمة يستطيعون تعلُّم القيام بها؟

نحن لا نشجع على العزلة بالتأكيد، والإنسان بفطرته كائن اجتماعي ولا يستطيع أصلاً الإلمام في كل شيء للاستغناء عن الجميع، ولكنَّ تحمُّل المسؤولية أمر ضروري ويساهم في تخفيف العبء عن الآخرين أيضاً.

7. قضاء وقت ممتع مع نفسك:

ذلك عن طريق ممارسة هواية تحبها مثل القراءة أو المشي أو التأمل أو مشاهدة التلفاز أو أي شيء آخر يجعل الوقت يمضي سريعاً وممتعاً بصحبة نفسك؛ ولأنَّ هذا من شأنه أن يُشعِرك بالامتلاء ويساعدك على تحقيق الاكتفاء الذاتي في حياتك اليومية، فضلاً عن كونه يزيد حبك لنفسك وتقديرك لها.

في الختام:

الإنسان كائن مستقل بفطرته، ولكنَّه أيضاً كائن اجتماعي يحتاج إلى أن يتواصل مع الآخرين؛ لأنَّ ذلك يُشعِره بقيمته وأهميته، وهذا ليس موضع الخلاف؛ إنَّما المشكلة تكمن في كون الآخرين هم المصدر الوحيد لشعوره بالفائدة والقيمة، بينما يجدر أن تكون هذه المشاعر القادمة من مصادر خارجية متكاملة مع تلك النابعة من داخله، التي لا سبيل إلى توليدها إلا عبر تحقيق الاكتفاء الذاتي.