سايكولوجيا الخوف من الموت معاناة لا طائل منها

سايكولوجيا الخوف من الموت معاناة لا طائل منها
(اخر تعديل 2024-04-08 06:42:14 )
بواسطة

يجد بعض الناس أنفسهم مستغرقين في هذا الخوف، ويعانون من القلق والاكتئاب ومشكلات الصحة العقلية الأخرى نتيجة لذلك، وقد يختار بعضهم الآخر تجنب التفكير في الموت تماماً، وهذا يؤدي إلى الشعور بالانفصال عن الحياة، وعلى الرغم من انتشاره في كل مكان، يظل الخوف من الموت تجربة شخصية وفردية عميقة شكلتها مجموعة متنوعة من العوامل الثقافية والاجتماعية والنفسية.

لا نخاف من الموت لأنَّنا سنتوقف عن الوجود:

يقدِّم "توماس ناجل" في الموت منظوراً مختلفاً عن الخوف من الموت، فيقول: "إنَّ البشر لا يخشون الموت لأنَّهم سيتوقفون عن الوجود وحسب؛ بل لأنَّهم يخشون خسارة الأشياء التي تجعل الحياة تستحق العيش، وقد تشمل هذه الأشياء العلاقات مع الأحباء والإنجازات والتطلعات وتجارب وملذات الحياة".

يقترح "ناجل" أنَّ الخوف من الموت ينبع من إدراك أنَّ هذه الأشياء لن تكون متاحة بعد الموت، وهذا يؤدي إلى الشعور بالفقد والحزن؛ إذ تتحدى حجة "ناجل" القراء للتفكير في طبيعة الوجود البشري ومعنى الحياة، والتفكير في كيفية التوفيق بين حتمية الموت والرغبة في عيش حياة هادفة ومُرضية.

مثال يوضح فكرة "ناجل" عن الخوف من الموت:

يمكن توضيح حجة "ناجل" بأنَّ الخوف من الموت ليس مجرد خوف من الموت، ولكنَّ الخوف من فقدان السلع التي تجعل الحياة تستحق العيش يمكن توضيحها من خلال بعض الأمثلة.

على سبيل المثال، فكر في رجل أعمال ناجح عمل بجد لبناء عمل مزدهر وتجميع الثروة، فقد لا يخشى هذا الشخص بالضرورة فعل الموت الجسدي؛ بل يخشى خسارة إنجازاته وسمعته ومتعة عيش حياة غنية وناجحة، وبالمثل، فكر في شخص يتمتع بعلاقة وثيقة مع عائلته وأصدقائه، فقد يخشى هذا الشخص الموت ليس فقط لأنَّه لم يعد موجوداً، لكن أيضاً لأنَّه لن يكون قادراً على تجربة الفرح والراحة لقضاء الوقت مع أحبائه.

الخوف من الموت متجذِّر في هوية الفرد:

يبحث "بارفيت" عن الخوف من الموت في سياق تحقيقه الميتافيزيقي الأكبر في طبيعة الهوية الشخصية، ويجادل بأنَّ الخوف من الموت متجذر في الارتباط العميق بهوية الفرد، وهو أمر مخادع في نهاية المطاف.

في فيلم (The View from Nowhere) يستكشف "ديريك بارفيت" الخوف من الموت في سياق تحقيقه الأكبر في الهوية الشخصية للإنسان، فيقول "بارفيت": "إنَّ الخوف من الموت ينشأ من الارتباط العميق بهوية الفرد، وهو في النهاية وهم".

يقترح "بارفيت" أنَّ الهوية الشخصية ليست جوهراً ثابتاً غير قابل للتغيير؛ بل هي مجموعة من السمات النفسية والجسدية التي تتغير مع مرور الوقت، فعندما نخشى الموت، فإنَّنا لا نخشى فقدان وجودنا المادي فحسب؛ بل نخشى أيضاً فقدان إحساسنا بالهوية والاستمرارية، وهذا الخوف متجذر في ارتباطنا بإحساس ثابت ودائم بالذات، وهو في النهاية وهم.

مثال يوضح تجذُّر الخوف من الموت في هوية الفرد:

على سبيل المثال، ضع في حسبانك شخصاً يتمتع بقوة في وظيفته أو وضعه الاجتماعي أو إنجازاته الشخصية، فقد يخشى هذا الشخص الموت لاعتقاده أنَّ هويته مرتبطة بهذه العوامل الخارجية، وأنَّ إحساسه بالذات سيضيع مع توقُّف هذه الهويات الخارجية.

تتحدى حجة "بارفيت" الناس للنظر في طبيعة الهوية الشخصية وعلاقتها بالخوف من الموت، والتساؤل عما إذا كان ارتباطنا بإحساس ثابت ودائم بالذات هو في النهاية وهم.

ميلان كونديرا وخفة الوجود التي تُحتَمل:

في رواية "ميلان كونديرا" "خفة الوجود التي لا تُحتَمل"، يتم تصوير الخوف من الموت على أنَّه واقع دائم الوجود يصوغ حياة الشخصيات؛ إذ يقول "كونديرا": "إنَّ الخوف من الموت ليس مجرد خوف من الإبادة الجسدية؛ بل هو خوف من فقدان الفردانية، من أن يبتلعه فراغ العدم".

تستكشف الرواية التوتر بين ثقل الوجود الفردي وخفة الوجود الذي يأتي مع قبول عدم ثبات الحياة؛ إذ تكافح الشخصيات مع الخوف من الموت، وهذا يدفعهم إلى البحث عن معنى وأهمية في حياتهم، ولكنَّه يقودهم أيضاً إلى التشبث بشدة بهوياتهم ومقاومة التغيير.

يقترح "كونديرا" أنَّ الخوف من الموت لا طائل منه في النهاية؛ وذلك لأنَّ الموت جزء لا مفر منه من التجربة الإنسانية، ومن خلال قبول حتمية الموت واحتضان خفة الوجود، يمكن للأفراد أن يجدوا التحرر من عبء الوجود ويعيشوا بشكل أكثر سهولة.

بوثيوس: الخوف من الموت هو سوء فهم

"عزاء الفلسفة" لـ "بوثيوس" هو عمل فلسفي يستكشف طبيعة السعادة والمعاناة والحالة الإنسانية؛ إذ يناقش "بوثيوس" في الكتاب الخوف من الموت، ويقدِّم منظوراً فريداً لكيفية التعامل مع هذا الخوف.

وفقاً لـ "بوثيوس" ينشأ الخوف من الموت من سوء فهم طبيعة الحياة والموت، ويجادل بأنَّ الموت ليس شيئاً يخاف منه؛ لأنَّه مجرد انتقال من حالة إلى أخرى، فالموت جزء طبيعي من الحياة، وهو أمر يجب أن نتقبله على أنَّه أمر لا مفر منه.

يعتقد "بوثيوس" أنَّ خوفنا من الموت متجذر في ارتباطنا بالعالم المادي وإيماننا بأنَّ حياتنا محدودة، فنخشى أن يكون وقتنا على الأرض محدوداً وأنَّه لن يكون لدينا الوقت الكافي لإنجاز كل ما نريد القيام به، ومع ذلك، يرى "بوثيوس" أنَّ طبيعتنا الحقيقية روحية، وأنَّ أرواحنا خالدة، ومن هذا المنظور، فإنَّ الموت هو ببساطة تحرُّر من أجسادنا المادية وعودة إلى طبيعتنا الروحية الحقيقية.

شاهد بالفديو: كيف نتجاوز فقدان شخص عزيز؟

كيف يمكن التغلب على الخوف من الموت من وجهة نظر "بوثيوس"؟

يقترح "بوثيوس" أيضاً أنَّ الخوف من الموت يمكن التغلب عليه من خلال تنمية الفضيلة والسعي وراء الحكمة، فمن خلال العيش في حياة فاضلة، يمكننا أن نجد المعنى والهدف، ويمكننا أن نقبل الموت بوصفه جزءاً طبيعياً من التجربة الإنسانية.

إضافة إلى ذلك، من خلال البحث عن الحكمة والفهم، يمكننا الحصول على تقدير أعمق للطبيعة الحقيقية للواقع والتوصل إلى رؤية الموت بوصفه جزءاً ضرورياً من دورة الحياة.

عموماً، يؤكد منظور "بوثيوس" عن الخوف من الموت على أهمية قبول فنائنا وزراعة فهم أعمق لطبيعتنا الحقيقية بصفتنا كائنات روحية، ومن خلال القيام بذلك، يمكننا أن نجد السلام والمعنى في مواجهة انتقالنا النهائي من هذا العالم إلى التالي.

الإنسان لا يعرف الموت:

اعتقد الفيلسوف اليوناني القديم "أبيقور" أنَّ الخوف من الموت كان في النهاية غير منطقي وغير ضروري، فلقد آمن بأنَّ الموت لا يؤثر فينا؛ لأنَّنا عندما نموت، نتوقف عن الوجود، ومن ثمَّ لا يمكننا أن نشعر بأي ألم أو متعة.

وفقاً لـ "أبيقور"، فإنَّ خوفنا من الموت ينبع من اعتقادين خاطئين؛ أولاً نعتقد أنَّ الموت أمر فظيع، بينما في الحقيقة هو ليس كذلك، وثانياً نعتقد أنَّنا سنختبر الموت، بينما في الحقيقة لن نختبره.

يعتقد "أبيقور" أنَّ مفتاح التغلب على الخوف من الموت هو فهم أنَّ الموت ليس شيئاً نختبره أصلاً وأنَّه جزء طبيعي من الحياة، وقال إنَّه لا ينبغي لنا أن نقضي حياتنا خائفين من شيء لا يوجد مفر منه وخارج عن إرادتنا.

بدلاً من ذلك، اقترح علينا التركيز على عيش حياة جيدة مليئة بالسرور والسعادة، مع تجنُّب الألم الزائد وغير الضروري، ومن خلال العيش بهذه الطريقة، يمكننا تقليل تأثير الموت فينا والاستمتاع بالوقت الباقي من حياتنا.

لماذا نخاف من الموت من وجهة نظر "أبيقور"؟

اعتقد "أبيقور" أنَّ خوفنا من الموت غالباً ما يغذيه خوفنا من المجهول، ونظراً لأنَّنا لا نعرف ماذا يحدث بعد الموت، فإنَّ خيالنا يأخذنا ويسيطر علينا، لنستحضر جميع أنواع السيناريوهات المرعبة، ومع ذلك، فقد كان يعتقد أنَّ هذا الخوف لا مبرر له؛ لأنَّ الموت هو ببساطة غياب الحياة، ولن نكون موجودين لنختبره.

يعتقد "أبيقور" أيضاً أنَّ خوفنا من الموت غالباً ما يكون مدفوعاً بتعلُّقنا بالحياة والأشياء التي نتمتع بها، كما جادل بأنَّنا نخشى أن نفقد الأشياء التي نحبها، مثل الأصدقاء والعائلة والممتلكات، ومع ذلك، فقد كان يعتقد أنَّه لا ينبغي لنا أن نعلِّق آمالنا تعليقاً مفرطاً على هذه الأشياء؛ وذلك لأنَّها ليست دائمة وسوف تزول في النهاية.

لماذا يُعَدُّ الخوف من الموت معدوم الجدوى في النهاية؟

من وجهة نظر نفسية، يمكن عَدُّ الخوف من الموت عقيماً لأسباب عدة:

1. الحتمية:

الموت جزء حتمي وشامل من التجربة الإنسانية، فالجميع - بصرف النظر عن وضعهم أو ثروتهم أو إنجازاتهم - سيموتون في النهاية، ولا أحد يستطيع الهروب من الموت، ومن ثمَّ فإنَّ الخوف من الموت لا طائل منه في النهاية.

2. معاناة لا داعي لها:

يمكن عَدُّ الخوف من الموت مصدر معاناة لا داعي لها، في حين أنَّه من الطبيعي أن تكون لديك مخاوف بشأن نهاية الحياة وما بعد ذلك، فإنَّ الخوف المفرط والقلق بشأن الموت قد يؤدي إلى القلق والاكتئاب ومشكلات الصحة العقلية الأخرى، كما قد تؤثر هذه الظروف تأثيراً كبيراً في نوعية حياة الفرد وقد تمنعه ​​من المشاركة الكاملة في الوقت الحاضر.

3. علاج القبول:

بعض الأساليب النفسية - مثل علاج القبول والالتزام (ACT) - تشجع الأفراد على قبول حتمية الموت بوصفها طريقة للعيش بشكل كامل وأصلي، فمن خلال إدراك عدم ثبات الحياة، قد يتم تحفيز الأفراد لتحقيق أقصى استفادة من الوقت المتاح لهم ومتابعة قيمهم وأهدافهم بحماسة أكبر.

في الختام:

في حين أنَّ الخوف من الموت هو جزء طبيعي من التجربة الإنسانية من منظور نفسي، فهو في النهاية غير مجدٍ، وقد يكون ضاراً بصحة الفرد العقلية ورفاهيته.