ما هو مرض جريفز؟

ما هو مرض جريفز؟

يصيب مرض "جريفز" نحو 0.5-2% من السكان في جميع أنحاء العالم، وهذا يجعله اضطراباً هرمونياً شائعاً نسبياً، وينتشر المرض بنسبة أعلى لدى النساء منه لدى الرجال، وغالباً ما يتطور في بداية سن البلوغ، وقد يكون لمرض جريفز تأثير كبير في جودة حياة الفرد؛ إذ يؤثِّر في أنظمة الجسم المتعددة، وقد يؤدي إلى مضاعفات مختلفة إذا لم يُعالج، والكشف المبكر والعلاج المناسب ضروريان للحد من الأعراض ومنع المضاعفات على الأمد الطويل.

الأسباب والعوامل المؤثرة:

سنذكر فيما يأتي أسباب الإصابة بمرض جريفز والعوامل المؤثرة في حدوثه:

1. دور الجهاز المناعي:

يُعدُّ مرض جريفز في المقام الأول اضطراباً مناعياً ذاتياً؛ وهذا يعني أنَّه يحدث عندما يهاجم جهاز المناعة في الجسم أنسجته الخاصة بطريق الخطأ، وفي حالة مرض جريفز، يُنتِج الجهاز المناعي أجساماً مضادة تُسمى الأجسام المضادة لتحفيز الغدة الدرقية (TSI)، والتي ترتبط بخلايا الغدة الدرقية وتحفِّز إفراز هرمونات الغدة الدرقية تحفيزاً زائداً، لم يُفهم السبب الدقيق لهذه الاستجابة المناعية حتى الآن، لكن يظن أنَّها تنطوي على تراكم عوامل وراثية وبيئية.

2. العوامل الوراثية:

تشير بعض الأدلة إلى وجود ميول وراثي لمرض جريفز، ورُبِطَ بعض من الأجسام المتعلقة بالمناعة البشرية (HLA) بزيادة خطر الإصابة بالحالة، وتحديداً HLA-DR3 وHLA-B8، ومع ذلك فإنَّ وجود هذه العلامات الوراثية لا يضمن تطور مرض جريفز، وهذا يشير إلى وجود عوامل أخرى متورطة أيضاً في بدايته.

3. المُحفِّزات البيئية:

لقد اقتُرحت عوامل عدة بصفتها مساهمات محتملة بينما ما تزال المُحفِّزات البيئية الدقيقة لمرض جريفز غير واضحة، وتشمل هذه العوامل العدوى مثل العدوى الفيروسية أو البكتيرية والتوتر العاطفي والتدخين وبعض الأدوية، ويُظن أنَّ هذه المُحفِّزات قد تتفاعل مع العرضة الوراثية، وهذا يؤدي إلى تطور استجابات مناعية ضد الغدة الدرقية.

الأعراض والعلامات السريرية:

1. زيادة نشاط الغدة الدرقية:

الميزة الرئيسة لمرض جريفز هي زيادة نشاط الغدة الدرقية، والتي تحدث بسبب إفراز مفرط للهرمونات الدرقية، وهذا يؤدي إلى مجموعة واسعة من الأعراض، مثل فقدان الوزن أو زيادة الشهية وضربات القلب السريعة (تسرع النبض) والخفقان والرجفة والتعرق المُفرِط وعدم تحمُّل الحرارة والتعب، وقد يعاني المرضى أيضاً اضطرابات مزاجية مثل العصبية والقلق وصعوبة النوم، ويمكن أن تختلف شدة الأعراض وتركيبتها بين الأفراد.

2. التظاهرات البصرية:

يمكن لمرض جريفز أن يؤثِّر في العيون، وهذا يؤدي إلى حالة تسمَّى التهاب جريفز للعين أو مرض الغدة الدرقية للعين، ويمكن أن يسبِّب ذلك أعراضاً متعلقة بالعين مثل بروز العينين (جحوظ العينين)، والجفاف، والاحمرار، والدموع المفرطة، والحساسية للضوء، والرؤية المزدوجة (الشق البصري)، وتقييد حركة العين، وفي الحالات الشديدة ويمكن حدوث فقدان البصر أو ضغط على العصب البصري.

3. أعراض الجلدية:

قد يعاني بعض الأشخاص المصابين بمرض جريفز من أعراض جلدية محددة، ويمكن أن تشمل هذه الأعراض تغيرات في الجلد مثل احمرار وسُمْك الجلد في أسفل الساق (ميكسيديما الساق السفلي) أو طفح جلدي عام، ويمكن أيضاً حدوث تغيرات في الأظافر، بما في ذلك انفصال سرير الظفر وتقشيره.

4. التأثيرات النفسية والعاطفية:

قد يكون لمرض جريفز تأثير كبير في الصحة النفسية للشخص، ويمكن أن تساهم مستويات الهرمونات الدرقية المفرطة في القلق والعصبية وتقلبات المزاج وصعوبة التركيز، وقد يعاني بعض الأشخاص أيضاً الاكتئاب وعدم الاستقرار العاطفي، ويمكن أن تؤدي هذه التأثيرات النفسية إلى تأثيرات إضافية في جودة حياة الفرد.

شاهد بالفديو: 10 أنواع أطعمة تقوي جهاز المناعة

الآلية الإمراضية:

1. آلية المناعة الذاتية:

يتميز مرض جريفز بالاستجابة المناعية الذاتية؛ إذ يهاجم الجهاز المناعي الغدة الدرقية مهاجمة خاطئة؛ إذ يظن أنَّ مزيجاً من العوامل الوراثية والبيئية يؤدي إلى تنشيط هذه الاستجابة المناعية، ولا يُفهم السبب الدقيق لاضطراب وظيفة الجهاز المناعي تماماً، لكن يُظن أنَّه ينطوي على تفاعل الخلايا المناعية مثل خلايا T وخلايا B وإنتاج الأجسام المضادة الذاتية.

2. دور الأجسام المناعية المُحفِّزة للدرقية:

في مرض جريفز، تُنتَج الأجسام المضادة المعروفة بالمناعات المُحفزة للدرقية (TSI)؛ إذ تحاكي هذه الأجسام المضادة عمل هرمون تحفيز الدرقية (TSH)، الذي ينظم تنظيماً طبيعياً إنتاج الهرمونات في الغدة الدرقية، ومع ذلك في مرض جريفز، يرتبط TSI بمستقبلات الخلايا في الغدة الدرقية، مُحفِّزاً إنتاج كميات زائدة من هرمونات الدرقية (ثلاثي اليودثيرونين أو T3 وثيروكسين أو T4).

3. اضطراب وظيفة الغدة الدرقية:

تعطل زيادة إنتاج الهرمونات الدرقية بسبب الاستجابة المناعية الوظيفةَ الطبيعيةَ للغدة الدرقية؛ ونتيجة لذلك تصبح الغدة الدرقية متضخمة (حالة تسمى القلة) وتنتج كمية زائدة من هرمونات T3 وT4، وهذا النشاط المفرط للغدة الدرقية يؤدي إلى ظهور الأعراض المميزة لفرط نشاط الغدة الدرقية المرتبط بمرض جريفز.

4. تأثيره في أنظمة الجسم الأخرى:

تتجاوز تأثيرات مرض جريفز الغدة الدرقية، ويمكن أن تؤثِّر مستويات الهرمونات الدرقية المفرطة في الدورة الدموية في وظائف مختلفة من أنظمة الجسم، ويشمل ذلك الجهاز القلبي الوعائي، وهذا يؤدي إلى زيادة في معدل ضربات القلب، وعدم انتظام في ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم، ويمكن أيضاً أن يؤثِّر في الجهاز العصبي، وهذا يسبب الرجفان والقلق وصعوبة النوم، إضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤثِّر مرض جريفز في الجهاز العضلي الهيكلي والجهاز التناسلي والجهاز الهضمي.

التشخيص:

يمر التشخيص بمراحل عدة:

1. التاريخ الطبي والفحص السريري:

يبدأ تشخيص مرض جريفز بالتاريخ الطبي الشامل والفحص السريري، فيجب أن يتحقق مقدم الرعاية الصحية من الأعراض وتاريخ العائلة المتعلق بالاضطرابات الدرقية وأي حالات طبية ذات صلة، وخلال الفحص السريري، قد يقيِّم مقدِّم الرعاية حجم الغدة الدرقية واتساقها، ويتحقق من علامات فرط نشاط الغدة الدرقية مثل ضربات القلب السريعة والرجفان، ويفحص العينين للتحقق من وجود مظاهر عينية.

2. فحوصات وظيفة الغدة الدرقية:

تُجرى فحوصات وظيفة الغدة الدرقية لتأكيد تشخيص مرض جريفز، وتقيس هذه الاختبارات مستويات هرمون تحفيز الغدة الدرقية (TSH) والثيروكسين (T4) والثلاثي اليودثيرونين (T3) في الدم، تكون مستويات TSH في مرض جريفز منخفضة عادة، بينما تكون مستويات T4 وT3 مرتفعة بسبب فرط نشاط الغدة الدرقية.

3. تقنيات التصوير:

قد تُستخدم تقنيات التصوير في بعض الحالات، مثل الأشعة فوق الصوتية أو التصوير النووي؛ لتقييم حجم الغدة الدرقية وهيكله ووظيفته، فتساعد صور الموجات فوق الصوتية على تصوير الغدة الدرقية ويمكنها تحديد أي تشوهات مثل التضخم أو العقيدات.

يشمل التصوير النووي حقن مادة نَشِطة إشعاعياً في الدورة الدموية، والتي تُجمِّعها الغدة الدرقية، ويمكن أن يوفِّر هذا الاختبار معلومات عن وظيفة الغدة وأي مناطق نشاط متزايد.

4. كشف الأجسام المضادة:

يساعد كشف وجود الأجسام المضادة لهرمون الدرقية (TSI) أو أجسام مضادة أخرى مرتبطة بمرض جريفز على تأكيد التشخيص، ويمكن إجراء اختبارات الدم لاكتشاف وجود هذه الأجسام المضادة، والتي تقدم أدلة على وجود استجابة مناعية ضد الغدة الدرقية.

شاهد بالفديو: 8 نصائح يومية لتحظى بصحة جيدة

خيارات العلاج:

1. الأدوية:

توصف الأدوية المضادة للغدة الدرقية، مثل الميثيمازول أو بروبيلثيوراسيل، بشكل شائع لإدارة مرض جريفز، وتعمل هذه الأدوية عن طريق تثبيط إنتاج الهرمونات الدرقية، وهذا يقلِّل من مستوياتها في الجسم، وقد توصف حاصرات بيتا مثل البروبانولول أيضاً لتخفيف الأعراض مثل ضربات القلب السريعة والرجفان والقلق.

2. العلاج باليود الإشعاعي:

العلاج باليود الإشعاعي هو خيار آخر لعلاج مرض جريفز، وفي هذا النهج يُتناول نوع مشع من اليود عن طريق الفم، وهو يدمر تدميراً انتقائياً الخلايا الدرقية زائدة النشاط، ومع مرور الوقت يقلِّل هذا من إنتاج الهرمونات الدرقية، وهذا يجعل وظيفة الغدة الدرقية متوازنة أكثر، ويُعدُّ العلاج باليود الإشعاعي عادةً علاجاً قاطع النظير؛ لكنَّه قد يؤدي إلى فرط نشاط الغدة الدرقية، وهذا يستدعي علاج استبدال الهرمونات طوال الحياة.

3. الجراحة (استئصال الغدة الدرقية):

يُوصى في بعض الحالات بإجراء استئصال جراحي للغدة الدرقية المعروف بالاستئصال الدرقي، ويُجرى هذا الخيار عادةً عندما يكون استخدام الأدوية والعلاج باليود الإشعاعي موضع تحذير أو غير مُحبَّذ، ويُعدُّ الاستئصال الدرقي علاجاً قاطع النظير يزيل إزالة دائمة الأنسجة الدرقية الزائدة النشاط؛ لكنَّه يتطلب علاج استبدال الهرمونات الدرقية طوال الحياة.

4. تدبير الأعراض العينية:

توجد بالنسبة إلى الأفراد المصابين بمرض جريفز والأعراض الخاصة بالعيون، خيارات علاجية متعددة لمعالجة الأعراض المتعلقة بالعين، وقد تشمل هذه الخيارات الدموع الاصطناعية، وقطرات العين المرطبة، والكورتيكوستيرويدات للتقليل من الالتهابات، وجراحة تخفيف الضغط على جفن العين، وجراحة تصحيح الرؤية المزدوجة أو التشوهات في الجفن.

5. الدعم النفسي والاجتماعي:

يُعدُّ تقديم الدعم النفسي والاجتماعي إلى جانب التدخلات الطبية أمراً حاسماً في إدارة مرض جريفز، ويمكن أن يكون للتأثير العاطفي والنفسي للحالة أثر كبير، وقد يستفيد الأفراد من الاستشارة النفسية والمجموعات الداعمة، أو العلاج للتعامل مع التوتر والقلق والاكتئاب.

التوقعات والمضاعفات:

1. السير الطبيعي لمرض جريفز:

تختلف التوقعات لمرض جريفز بين الأفراد، وقد يعاني بعض الأفراد فترات سكون تتلاشى فيها الأعراض تلقائياً، في حين قد يكون لدى بعضها سير مزمن أو متكرر، ومع المعالجة والإدارة المناسبة، فإنَّ التوقعات عموماً مواتية، ويمكن لأفراد كثيرين تحقيق سيطرة جيدة على الأعراض والحفاظ على جودة حياة مُرضية.

2. المضاعفات المحتملة:

إذا لم يُعالج مرض جريفز أو أُدير إدارة سيئة، فقد يؤدي إلى مضاعفات مختلفة، وإحدى المضاعفات المحتملة هي عاصفة الغدة الدرقية، وهي حالة تهدد الحياة تتميز بأعراض فرط نشاط الغدة الدرقية الشديدة، مثل ارتفاع درجة الحرارة وضربات القلب السريعة والاضطراب والارتباك.

من المضاعفات الأخرى المرتبطة بمرض جريفز هي مرض العيون المرتبط بـ جريفز، الذي قد يسبِّب تأثيراً في الرؤية وآلام العين، وفي الحالات الشديدة أضراراً في العصب البصري، ويمكن أيضاً حدوث مضاعفات جلدية مثل الترهل الجلدي في المنطقة تحت الركبة، إضافة إلى ذلك بالنسبة إلى النساء المصابات بمرض جريفز واللواتي يصبحن حوامل، فإنَّ الإدارة الحذرة أمر حاسم؛ إذ قد يؤثِّر في الأم والجنين النامي.

في الختام:

إنَّ مرض جريفز هو اضطراب مناعي هام يؤثِّر في الغدة الدرقية ويؤدي إلى زيادة إنتاج هرمونات الدرق، ويتسبَّب في مجموعة واسعة من الأعراض، مثل فرط نشاط الدرق وجحوظ العين والأعراض الجلدية والتأثيرات النفسية.

يمكن لمقدمي الرعاية الصحية تشخيص مرض جريفز بدقة من خلال فهم أسبابه والفيزيولوجيا الباثولوجية والعرض السريري، وذلك باستخدام التاريخ الطبي والفحص السريري واختبارات وظائف الغدة الدرقية وتقنيات التصوير وكشف الأجسام المضادة الذاتية.

تشمل خيارات العلاج الأدوية وعلاج اليود الإشعاعي والجراحة وإدارة أعراض العين مع الإدارة المناسبة، قد تحدث مضاعفات مثل العاصفة الدرقية والمضاعفات الجلدية إذا لم تُعالج الحالة علاجاً صحيحاً، وتُعدُّ التعديلات في نمط الحياة وممارسات الرعاية الذاتية، مثل إدارة التوتر والتغذية والتمرينات الرياضية والمراقبة المنتظمة، أمراً ضرورياً لدعم الرفاهية العامة وتحسين إدارة مرض جريفز، ومن خلال التشخيص المبكر والعلاج الشامل والرعاية الذاتية الفاعلة، يمكن للأفراد الذين يعانون مرض جريفز أن يعيشوا حياة طبيعية ويقلِّلوا من تأثير المرض في جودة حياتهم.