قصيدة البوصيري في مدح

قصيدة البوصيري في مدح


قصيدة بُردة المديح النبوي أو البُردة، هي قصيدة لشاعر المدائح النبوية المعروف محمد بن حمّاد الصنهاجي البوصيري، المشهور باسم شرف الدين البوصيري، ولد في دلاص من أعمال بني سويف في مصر، نظم قصيدته على البحر البسيط، وقد كُتبت قصائد كثيرة في مدح الرسول.


سبب تسمية قصيدته بالبُردة هو أنّ البوصيري كان قد كتب قصيدته في حب النبي -عليه الصلاة والسلام- ليتقرّب بها إلى الله، وعندما نام رأى النبي -عليه الصلاة والسلام- في المنام وأنشده إيّاها، فوضع النبي -عليه الصلاة والسلام- بُردته الشريفة على البوصيري في المنام، وعندما استيقظ وجد أنّه قد تعافى.


ثمّ جاء إلى البوصيري أحد الدراويش من المتصوّفة وطلب منه القصيدة، وقال له إنّه -أي الدرويش- قد شاهد في المنام البوصيري ينشد القصيدة للنبي -عليه الصلاة والسلام-، وكان النبي -عليه الصلاة والسلام- يتمايل وهو يستمع إليها، وانتشر خبرها بين الناس حتى بلغ أمير البلاد، فأخذها من البوصيري ووضعها في صندوق خاص بها.


يبلغ عدد أبيات القصيدة كاملة نحو 158 بيتًا، وفي بعض الروايات ذُكر أنّها تقع في 162 بيتًا، وهي أجود شعر البوصيري، وقد حذا حذوها كثير من شعراء المدائح الذين جاؤوا بعد البوصيري، حتى إنّها صارت الدستور الذي يسيرون عليه عند نظم قصيدة مدحيّة.


شرح المقطع الأول

يقول البوصيري في قصيدة البُردة:


أمِنْ تذَكُّرِ جيرانٍ بذي سلمِ

:::مزجتَ دمعًا جرى من مقلةٍ بدمِ

أمْ هبَّتِ الريحُ من تلقاءِ كاظمةٍ

:::وأوْمَضَ البَرْقُ في الظلْماءِ مِنْ إضَمِ

فما لعينيكَ إن قلتَ اكففا هَمَتا

:::ومَا لِقَلْبِك إنْ قُلْتَ اسْتَفِقْ يَهِمِ

أَيَحْسَبُ الصَّبُّ أنَّ الحُبَّ مُنْكتِمٌ

:::ما بَيْنَ مُنْسَجِم منهُ ومضطَرِمِ

لولاَ الهَوَى لَمْ تُرِقْ دَمْعًا عَلَى طَلَلٍ

:::ولا أرقتَ لذكرِ البانِ والعَلمِ

فكيفَ تُنْكِرُ حُبَّا بعدَ ما شَهِدَتْ

:::بهِ عليكَ عدولُ الدَّمْعِ والسَّقَم

وَأثْبَتَ الوجْدُ خَطَّيْ عَبْرَةٍ وضَنًى

:::مِثْلَ البَهارِ عَلَى خَدَّيْكَ والعَنَمِ

نعمْ سرى طيفُ من أهوى فأرقني

:::والحُبُّ يَعْتَرِضُ اللَّذاتِ بالأَلَمِ

يا لائِمِي في الهَوَى العُذْرِيِّ مَعْذِرَةً

:::منِّي إليكَ ولو أنصفتَ لم تلُمِ

عَدَتْكَ حالِيَ لا سِرِّي بمُسْتَتِرٍ

:::عن الوُشاةِ ولا دائي بمنحسمِ

مَحَّضَتْنِي النُّصْحَ لكِنْ لَسْتُ أَسْمَعُهُ

:::إنَّ المُحِبَّ عَن العُذَّالِ في صَمَمِ

إني اتهمتُ نصيحَ الشيبِ في عذلٍ

:::والشَّيْبُ أَبْعَدُ في نُصْحٍ عَنِ التُّهَم


في هذا المقطع يبدأ البوصيري القصيدة في بيت غزلي يُسمّى النسيب في الشعر العربي، فيتحدّث عن الغرام والشكوى والغزل والتغنّي بذكر ديار المحبوب، تلك الديار التي يذكرها في طريق الرحلة الحجازية إلى الديار المقدّسة؛ الحرمين الشريفين، وخاصة المدينة المنورة التي فيها قبر الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.


يصف بعد ذلك اللوعة من الحب، وحال المُحبّ المستهام بسبب الوجد والضنى، ثمّ يتطرّق لما يعتري المحب من حالات نفسيّة، كالبكاء والإعراض عن الناصحين، وتحمّل الوشاة وما يدورون به وغير ذلك.


ومن المفردات التي تحتاج إلى شرح في هذا المقطع:


المفردة
المعنى
همتا
من الهمي وهو تساقط الدموع.
يهِم
من الهيام وهو الجنون بسبب العشق.
العذّال
جمع عاذل وهو الذي يلوم الناس.


شرح المقطع الثاني

يقول البوصيري في المقطع الثاني من قصيدته المدحيّة:


فإنَّ أمَّارَتي بالسوءِ ما اتعظتْ

:::من جهلها بنذيرِ الشيبِ والهرمِ

ولا أَعَدَّتْ مِنَ الفِعْلِ الجَمِيلِ قِرَى

:::ضيفٍ ألمَّ برأسي غير محتشمِ

لو كنت أعلم أني ما أوقره

:::كتمت سرًّا بدا لي منه بالكتم

من لي بِرَدِّ جماحٍ من غوايتها

:::كما يُرَدُّ جماحُ الخيلِ باللجمِ

فلا تَرُمْ بالمعاصِي كَسْرَ شَهْوَتِها

:::إنَّ الطعامَ يُقَوِّي شهوةَ النهمِ

والنفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شَبَّ على

:::حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِم

فاصرفْ هواها وحاذرْ أنْ تُوَلِّيَهُ

:::إنَّ الهوى ما تولَّى يُصمِ أوْ يَصمِ

وَراعِها وهيَ في الأعمالِ سائِمةٌ

:::وإنْ هِيَ اسْتَحْلَتِ المَرْعَى فلا تُسِم

كَمْ حَسَّنَتْ لَذَّةٍ لِلْمَرءِ قاتِلَةً

:::من حيثُ لم يدرِ أنَّ السُّمَّ في الدَّسَمِ

وَاخْشَ الدَّسائِسَ مِن جُوعٍ وَمِنْ شِبَع

:::فَرُبَّ مَخْمَصَةٍ شَرٌّ مِنَ التُّخَمِ

واسْتَفْرِغ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنٍ قد امْتَلأتْ

:::مِنَ المَحارِمِ وَالْزَمْ حِمْيَةَ النَّدَمِ

وخالفِ النفسَّ والشيطانَ واعصهما

:::وإنْ هُما مَحَّضاكَ النُّصحَ فاتهم

وَلا تُطِعْ منهما خَصْمًا وَلا حَكمًَا

:::فأنْتَ تَعْرِفُ كيْدَ الخَصْمِ والحَكمِ

أسْتَغْفِرُ الله مِنْ قَوْلٍ بِلاَ عَمَلٍ

:::لقد نسبتُ به نسلًا لذي عقمِ

أمرتكَ الخيرَ لكنْ ما ائتمرتُ بهِ

:::وما استقمتُ فما قولي لك استقمِ

ولا تَزَوَّدْتُ قبلَ المَوْتِ نافِلةً

:::ولَمْ أُصَلِّ سِوَى فَرْضٍ ولَمْ أَصُمِ


مدار هذا القسم على التحذير من هوى النفس، تلك النفس التي تستولي على الكبير والصغير، فيرى البوصيري أنّ النفس ينبغي كبح جماحها كما تُكبح الفرس، وأنّها مع الشيطان يكونان عونًا على لإنسان، فعليه ألّا يسير معهما أنّى شاءا، ويحذّر من شهوة البطن والجوع، ويقف أخيرًا مع التوبة والحث عليها.


ومن المفردات التي تحتاج إلى شرح في هذا المقطع:


المفردة
المعنى
قِرى
القِرى هي ما يُقدّم للضيف من طعام ونحوه.
جِماح
الجماح هو هيجان الفرس ورفضها السيطرة عليها.
مخمصة
المخمصة هي المجاعة والضيق.


شرح المقطع الثالث

في هذا المقطع يقول البوصيري:


ظلمتُ سُنَّةَ منْ أحيا الظلامَ إلى

:::أنِ اشْتَكَتْ قَدَماهُ الضُّرَّ مِنْ وَرَم

وشدَّ مِنْ سَغَبٍ أحشاءهُ وَطَوَى

:::تحتَ الحجارةِ كشحًا مترفَ الأدمِ

وراودتهُ الجبالُ الُشُّمُّ من ذهبٍ

:::عن نفسهِ فأراها أيما شممِ

وأكَّدَتْ زُهْدَهُ فيها ضرورتهُ

:::إنَّ الضرورةَ لا تعدو على العصمِ

وَكَيفَ تَدْعُو إلَى الدُّنيا ضَرُورَةُ مَنْ

:::لولاهُ لم تخرجِ الدنيا من العدمِ

محمدٌ سيدُّ الكونينِ والثَّقَلَيْنِ

:::والفريقينِ من عُربٍ ومن عجمِ

نبينَّا الآمرُ الناهي فلا أحدٌ

:::أبَرَّ في قَوْلِ «لا» مِنْهُ وَلا «نَعَمِ»

هُوَ الحَبيبُ الذي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ

:::لِكلِّ هَوْلٍ مِنَ الأهوالِ مُقْتَحَمِ

دعا إلى اللهِ فالمستمسكونَ بهِ

:::مستمسكونَ بحبلٍ غيرِ منفصمِ

فاقَ النبيينَ في خلْقٍ وفي خُلُقٍ

:::ولمْ يدانوهُ في علمٍ ولا كَرَمِ

وكلهمْ من رسول اللهِ ملتمسٌ

:::غَرْفًا مِنَ البَحْرِ أوْ رَشْفًا مِنَ الدِّيَمِ

وواقفونَ لديهِ عندَ حَدِّهمِ

:::من نقطةِ العلمِ أومنْ شكلةِ الحكمِ

فهْوَ الذي تَمَّ معناهُ وصُورَتُه

:::ثمَّ اصطفاهُ حبيبًا بارئ النَّسمِ

مُنَّزَّهٌ عن شريكٍ في محاسنهِ

:::فَجَوْهَرُ الحُسْنِ فيهِ غيرُ مُنْقَسِمَ

دَعْ ما ادَّعَتْهُ النَّصارَى في نَبيِّهِمِ

:::وَاحكُمْ بما شِئْتَ مَدْحًا فيهِ واحْتَكِمِ

وانْسُبْ إلى ذاتِهِ ما شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ

:::وَانْسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ منْ عِظَمِ

فإن فضلَ رسولِ اللهِ ليسَ لهُ

:::حَدٌّ فيُعْرِبَ عنه ناطِقٌ بفَمِ

لو ناسبتْ قدرهُ آياتهُ عظمًا

:::أحيا اسمهُ حينَ يُدعى دارسَ الرِّممِ

لَمْ يَمْتَحِنَّا بما تعْمل العُقولُ بِهِ

:::حِرْصًا علينا فلمْ ولَمْ نَهَمِ

أعيا الورى فهمُ معانهُ فليس يُرى

:::في القُرْبِ والبعدِ فيهِ غير منفحِمِ

كالشمسِ تظهرُ للعينينِ من بُعُدٍ

:::صَغِيرَةٍ وَتُكِلُّ الطَّرْفَ مِنْ أممٍ

وكيفَ يُدْرِكُ في الدُّنْيَا حَقِيقَتَهُ

:::قومٌ نيامٌ تسلَّوا عنهُ بالحُلُمِ

فمبلغُ العلمِ فيهِ أنهُ بشرٌ

:::وأنهُ خيرُ خلقِ اللهِ كلهمِ

وَكلُّ آيٍ أَتَى الرُّسْلُ الكِرامُ بها

:::فإنما اتَّصلتْ من نورهِ بهمِ

فإنهُ شمسٌ فضلٍ همْ كواكبها

:::يُظْهِرْنَ أَنْوارَها للناسِ في الظُلَم

أكرمْ بخلقِ نبيٍّ زانهُ خُلُقٌ

:::بالحُسْنِ مُشْتَمِلٍ بالبِشْرِ مُتَّسِمِ

كالزَّهرِ في تَرَفٍ والبَدْرِ في شَرَفٍ

:::والبَحْر في كَرَمٍ والدهْرِ في هِمَمِ

كأنهُ وهو فردٌ من جلالتهِ

:::في عَسْكَرٍ حينَ تَلْقاهُ وفي حَشَمِ

كَأَنَّما اللُّؤْلُؤُ المَكْنونُ في صَدَفِ

:::من معدني منطقٍ منهُ ومبتسمِ

لا طِيبَ يَعْدِلُ تُرْبًا ضَمَّ أَعْظُمَهُ

:::طُوبَى لِمُنْتَشِقٍ منهُ ومُلْتَئِم


في هذا المقطع يبدأ المديح النبوي، فيتحدث البوصيري عن عبادة النبي -عليه الصلاة والسلام- وجهاده وزهده في الحياة الدنيا ومتاعها، ثمّ يصف محبّة الله تعالى له واتخاذه له خليلًا وحبيبًا، وينكر البوصيري على من يرى أنّ في مدحه غلوًّا -عليه الصلاة والسلام- فلا حدّ لفضائله كي يقف الإنسان عنده وغير ذلك من خلاله الشريفة.


ومن المفردات التي تحتاج إلى شرح في هذا المقطع:


المفردة
المعنى
الرمم
جمع رِمّة وهي العظام البالية.
الورى
الخلق من البشر.
الأهوال
جمع هول وهو الأمر الشديد المثير للفزع.


شرح المقطع الرابع

في هذا المقطع يقول البوصيري:


أبان مولدهُ عن طيبِ عُنصرهِ

:::يا طِيبَ مُبْتَدَأٍ منه ومُخْتَتَمِ

يومٌ تفرَّسَ فيهِ الفرسُ أنهمُ

:::قد أنذروا بحلولِ البؤسِ والنقمِ

وباتَ إيوانُ كسرى وهو منصدعٌ

:::كشملِ أصحابِ كسرى غيرَ ملتئمِ

والنَّارُ خامِدَةُ الأنفاس مِنْ أَسَفٍ

:::عليه والنَّهرُ ساهي العين من سدمِ

وساء ساوة أن غاضتْ بحيرتها

:::ورُدَّ واردها بالغيظِ حين ظمي

كأنَّ بالنارِ ما بالماء من بللٍ

:::حُزْنًا وبالماءِ ما بالنَّارِ من ضرمِ

والجنُّ تهتفُ والأنوار ساطعةٌ

:::والحَقُّ يَظْهَرُ مِنْ مَعْنًى ومِنْ كَلِم

عَموُا وصمُّوا فإعلانُ البشائرِ لمْ

:::تُسْمَعْ وَبارِقَةُ الإِنْذارِ لَمْ تُشَم

مِنْ بَعْدِ ما أَخْبَرَ الأقْوامَ كاهِنُهُمْ

:::بأَنَّ دينَهُمُ المُعْوَجَّ لَمْ يَقُمِ

وبعدَ ما عاينوا في الأفقِ من شُهُبٍ

:::منقضةٍ وفقَ ما في الأرضِ من صنمِ

حتى غدا عن طريقِ الوحيِ مُنهزمٌ

:::من الشياطينِ يقفو إثرَ منهزمِ

كأَنُهُمْ هَرَبًا أبطالُ أَبْرَهَةٍ

:::أوْ عَسْكَرٌ بالحَصَى مِنْ رَاحَتَيْهِ رُمِي

نَبْذًا بهِ بَعْدَ تَسْبِيحِ بِبَطْنِهما

:::نَبْذَ المُسَبِّحِ مِنْ أحشاءِ مُلْتَقِمِ


هنا يتحدث البوصيري عنتاريخ ميلاد النبي -عليه الصلاة والسلام- ويبيّن فضل ليلة مولده، وما حدث فيها من أمور خارقة كانهيار إيوان كسرى وخمود نار المجوس وجفاف حيرة ساوة وغير ذلك مما يُروى، ولكن لم يثبت على وجه اليقين أنّ ذلك كلّ قد حدث، ويتحدث عن معجزات النبي -عليه الصلاة والسلام- الأخرى المرافقة للميلاد.


ومن المفردات التي تحتاج إلى شرح في هذا المقطع:


المفردة
المعنى
النقم
جمع نقمة وهي العقوبة.
ظمي
من الظمأ وهو شدة العطش.


شرح المقطع الخامس

في المقطع الخامس يقول شرف الدين البوصيري:


جاءتْ لدَعْوَتِهِ الأشجارُ ساجِدَةً

:::تَمْشِي إليهِ عَلَى ساقٍ بِلا قَدَمِ

كأنَّما سَطَرَتْ سَطْرًا لِمَا كَتَبَتْ

:::فروعها من بديعِ الخطِّ في اللقمِ

مثلَ الغمامةِ أنىَ سارَ سائرةٌ

:::تقيهِ حرَّ وطيسٍ للهجيرِ حمي

أقسمتُ بالقمرِ المنشقِّ إنَّ لهُ

:::مِنْ قَلْبِهِ نِسْبَةً مَبْرُورَةَ القَسَمِ

ومَا حَوَى الغارُ مِنْ خَيْرٍ ومَنْ كَرَم

:::وكلُّ طرفٍ من الكفارِ عنه عمي

فالصدقُ في الغارِ والصديقُ لم يرِما

:::وَهُمْ يقولونَ ما بالغارِ مِنْ أَرمِ

ظَنُّوا الحَمامَ وظَنُّوا العَنْكَبُوتَ على

:::خيْرِ البَرِيَّةِ لَمْ تَنْسُجْ ولمْ تَحُم

وقايةُ اللهِ أغنتْ عن مضاعفةٍ

:::من الدروعِ وعن عالٍ من الأطمِ

ما سامني الدهرُ ضيمًا واستجرتُ بهِ

:::إلاَّ استلمتُ الندى من خيرِ مُستلمِ

لا تنكرُ الوحيَ من رؤياهُ إنَّ لهُ

:::قَلْبًا إذا نامَتِ العَيْنانِ لَمْ يَنمِ

وذاكَ حينَ بُلوغٍ مِنْ نُبُوَّتِهِ

:::فليسَ يُنْكَرُ فيهِ حالُ مُحْتَلِمِ

تَبَارَكَ الله ما وحْيٌ بمُكْتَسَبٍ

:::وَلا نَبِيٌّ عَلَى غَيْبٍ بِمُتَّهَمِ

كَمْ أبْرَأَتْ وَصِبًا باللَّمْسِ راحَتهُ

:::وأَطْلَقَتْ أرِبًا مِنْ رِبْقَةِ اللَّمَمِ

وأحْيَتِ السنَةَ الشَّهْبَاءَ دَعْوَتُهُ

:::حتى حَكَتْ غُرَّةً في الأَعْصُرِ الدُّهُمِ

بعارضٍ جادَ أو خلتَ البطاحَ بها

:::سيبٌ من اليَمِّ أو سيلٌ من العرمِ


في هذا المقطع يقف البوصيري مع ذكر معجزات النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- فيذكر تكليم الجمادات له والأشجار وشهادتها له بالنبوة، وتظليل الغمام له وانشقاق القمر له، ونحو ذلك مما يؤثر من معجزات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.


ومن المفردات التي تحتاج إلى شرح في هذا المقطع:


المفردة
المعنى
ضيمًا
الضيم هو الظلم والإذلال ونحو ذلك.
وصِبًا
الوصِب هو المريض.


شرح المقطع السادس

في هذا المقطع يقول الشاعر البوصيري:


دعني ووصفي آياتٍ له ظهرتْ

:::ظهورَ نارِ القرى ليلًا على علمِ

فالدرُّ يزدادُ حُسنًا وهو منتظمٌ

:::وليسَ ينقصُ قدرًا غير منتظمِ

فما تَطاوَلُ آمالُ المَدِيحِ إلى

:::ما فيهِ مِنْ كَرَمِ الأَخْلاَقِ والشِّيَمِ

آياتُ حقٍّ من الرحمنِ محدثةٌ

:::قَدِيمَةٌ صِفَةُ المَوْصوفِ بالقِدَم

لم تقترنْ بزمانٍ وهي تخبرنا

:::عَن المعادِ وعَنْ عادٍ وعَنْ إرَمِ

دامَتْ لَدَيْنا فَفاقَتْ كلَّ مُعْجِزَةٍ

:::مِنَ النَّبِيِّينَ إذْ جاءتْ ولَمْ تَدُمِ

مُحَكَّماتٌ فما تبقينَ من شبهٍ

:::لذي شقاقٍ وما تبغينَ من حكمِ

ما حُورِبَتْ قَطُّ إلاَّ عادَ مِنْ حَرَبٍ

:::أَعْدَى الأعادي إليها مُلقِيَ السَّلَمِ

رَدَّتْ بلاغَتُها دَعْوى مُعارِضِها

:::ردَّ الغيور يدَ الجاني عن الحُرمِ

لها معانٍ كموجِ البحرِ في مددٍ

:::وفوقَ جوهَرِهِ في الحُسنِ والقيَمِ

فما تُعَدُّ وَلا تُحْصَى عَجَائبُها

:::ولا تُسامُ عَلَى الإكثارِ بالسَّأَمِ

قرَّتْ بها عينُ قاريها فقلت له

:::لقد ظفِرتَ بِحَبْلِ الله فاعْتَصِمِ

إنْ تَتْلُها خِيفَةً مِنْ حَرِّ نارِ لَظَى

:::أطْفَأْتَ نارَ لَظَى مِنْ وِرْدِها الشَّبمِ

كأنها الحوضُ تبيضُّ الوجوه به

:::مِنَ العُصاةِ وقد جاءُوهُ كَالحُمَمِ

وَكالصِّراطِ وكالمِيزانِ مَعدِلَةً

:::فالقِسْطُ مِنْ غَيرها في الناس لَمْ يَقُمِ

لا تعْجَبَنْ لِحَسُودٍ راحَ يُنكِرُها

:::تَجاهُلًا وهْوَ عَينُ الحاذِقِ الفَهِمِ

قد تنكرُ العينُ ضوء الشمسِ من رمدٍ

:::ويُنْكِرُ الفَمُّ طَعْمَ الماء منْ سَقَمِ


يقف البوصيري في هذا المقطع لبيان شرف القرآن الكريم بوصفه المعجزة الخالدة للنبي -عليه الصلاة والسلام-، فيذكر ذِكر القرآن للأمم السابقة وبلاغته المعجزة وحلاوته التي تلامس القلوب، ثمّ ينتقل للحديث عن الميزان والحوض والصراط وغيرها.


ومن المفردات التي تحتاج إلى شرح في هذا المقطع:


المفردة
المعنى
محدثة
الأمر المُحدث هو ما لم يكن له سابق.
الحمم
الحمم هو الفحم.


شرح المقطع السابع

يقول البوصيري في هذا المقطع:


يا خيرَ من يَمَّمَ العافونَ ساحتَهُ

:::سَعْيًا وفَوْقَ مُتُونِ الأَيْنُقِ الرُّسُمِ

وَمَنْ هُو الآيَةُ الكُبْرَى لِمُعْتَبِرٍ

:::وَمَنْ هُوَ النِّعْمَةُ العُظْمَى لِمُغْتَنِمِ

سريتَ من حرمٍ ليلًا إلى حرمِ

:::كما سرى البدرُ في داجٍ من الظُّلَمِ

وَبِتَّ تَرْقَى إلَى أنْ نِلْتَ مَنْزِلَةً

:::من قابِ قوسينِ لم تدركْ ولم ترمِ

وقدَّمتكَ جميعُ الأنبياءِ بها

:::والرُّسْلِ تَقْدِيمَ مَخْدُومٍ عَلَى خَدَم

وأنتَ تخترق السبعَ الطِّباقَ بهمْ

:::في مَوْكِبٍ كنْتَ فيهِ صاحِبَ العَلَمِ

حتى إذا لَمْ تَدَعْ شَأْوًا لمُسْتَبِقٍ

:::من الدنوِّ ولا مرقًى لمستنمِ

خفضتَ كلَّ مقامٍ بالإضافة إذ

:::نُودِيتَ بالرَّفْعِ مِثْلَ المُفْرَدِ العَلَم

كيما تفوزَ بوصلٍ أيِّ مستترٍ

:::عن العيونِ وسرٍّ أيِ مُكتتمِ

فَحُزْتَ كلَّ فَخَارٍ غيرَ مُشْتَرَكٍ

:::وجُزْتَ كلَّ مَقامٍ غيرَ مُزْدَحَمِ

وَجَلَّ مِقْدارُ ما وُلِّيتَ مِنْ رُتَبٍ

:::وعزَّ إدْراكُ ما أُولِيتَ مِنْ نِعَمِ

بُشْرَى لَنا مَعْشَرَ الإسلامِ إنَّ لنا

:::من العنايةِ رُكنًا غيرَ منهدمِ

لمَّا دعا الله داعينا لطاعتهِ

:::بأكرمِ الرُّسلِ كنَّا أكرمَ الأممِ


في هذا المقطع يتحدث البوصيري عن الإسراء والمعراج وما كان من مشاهدات النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم المعراج ولقائه الأنبياء والإمامة بهم قبل المعراج في المسجد الأقصى وبلوغه الرتبة الرفيعة يوم المعراج.


ومن المفردات التي تحتاج إلى شرح في هذا المقطع:


المفردة
المعنى
الأينُق
جمع ناقة وهي أنثى الجمل.
شأوًا
الشأو هو الغاية والشأن.


شرح المقطع الثامن

في هذا المقطع يقول البوصيري:


راعتْ قلوبَ العدا أنباءُ بعثتهِ

:::كَنَبْأَةٍ أَجْفَلَتْ غَفْلًا مِنَ الغَنَمِ

ما زالَ يلقاهمُ في كلِّ معتركٍ

:::حتى حَكَوْا بالقَنا لَحْمًا على وضَم

ودوا الفرار فكادوا يغبطونَ بهِ

:::أشلاءَ شالتْ مع العقبانِ والرَّخمِ

تمضي الليالي ولا يدرونَ عدتها

:::ما لَمْ تَكُنْ مِنْ ليالِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ

كأنَّما الدِّينُ ضَيْفٌ حَلَّ سَاحَتَهُمْ

:::بِكلِّ قَرْمٍ إلَى لحْمِ العِدا قَرِم

يَجُرُّ بَحْرَ خَمِيسٍ فوقَ سابِحَةٍ

:::يرمي بموجٍ من الأبطالِ ملتطمِ

من كلِّ منتدبٍ لله محتسبٍ

:::يَسْطو بِمُسْتَأْصِلٍ لِلْكُفْرِ مُصطَلِم

حتَّى غَدَتْ مِلَّةُ الإسلام وهْيَ بِهِمْ

:::مِنْ بَعْدِ غُرْبَتِها مَوْصُولَةَ الرَّحِم

مكفولةً أبدًا منهم بخيرٍ أبٍ

:::وخير بعلٍ فلم تيتم ولم تئمِ

هُم الجِبالُ فَسَلْ عنهمْ مُصادِمَهُمْ

:::ماذا رأى مِنْهُمُ في كلِّ مُصطَدَم

وسل حُنينًا وسل بدرًا وسلْ أُحُدًا

:::فُصُولَ حَتْفٍ لهُمْ أدْهَى مِنَ الوَخَم

المصدري البيضَ حُمرًا بعدَ ما وردت

:::من العدا كلَّ مُسْوَّدٍ من اللممِ

وَالكاتِبِينَ بِسُمْرِ الخَطِّ مَا تَرَكَتْ

:::أقلامهمْ حرفَ جسمٍ غبرَ منعجمِ

شاكي السِّلاحِ لهم سيما تميزهمْ

:::والوردُ يمتازُ بالسيما عن السلمِ

تُهدى إليكَ رياحُ النصرِ نشرهمُ

:::فتحسبُ الزَّهرَ في الأكمامِ كلَّ كمي

كأنهمْ في ظهورِ الخيلِ نبتُ رُبًا

:::مِنْ شِدَّةِ الحَزْمِ لاَ مِنْ شِدَّةِ الحُزُم

طارت قلوبُ العدا من بأسهمِ فرقًا

:::فما تُفَرِّقُ بين البَهم والبُهُمِ

ومن تكنْ برسول الله نصرتُه

:::إن تلقهُ الأُسدُ في آجامها تجمِ

ولن ترى من وليٍّ غير منتصرِ

:::بهِ ولا مِنْ عَدُوّ غَيْرَ مُنْقصمِ

أحلَّ أمَّتَهُ في حرزِ ملَّتهِ

:::كاللَّيْثِ حَلَّ مَعَ الأشبال في أجَم

كمْ جدَّلَتْ كلماتُ اللهِ من جدلٍ

:::فيهِ وكم خَصَمَ البُرْهانُ مِنْ خَصِمِ

كفاكَ بالعِلْمِ في الأُمِيِّ مُعْجِزَةً

:::في الجاهليةِ والتأديبِ في اليتمِ


في هذا المقطع يتحدث البوصيري عن جهاد النبي -صلى الله عليه وسلم- وقتاله في الأشهر الحرم ثمّ يصوّر حاله والمسلمين معه في حُنين وفي أُحُد، وشجاعة أصحابه ونصرته بالرياح وغير ذلك مما هو مبثوث في كتب السّيرة النبوية.


ومن المفردات التي تحتاج إلى شرح في هذا المقطع:


المفردة
المعنى
مصطلم
بمعنى مستأصل.
أجَم
جمع أجمة وهي بيت الأسد.


شرح المقطع التاسع

في المقطع قبل الأخير يقول البوصيري:


خَدَمْتُهُ بِمَديحٍ أسْتَقِيلُ بِهِ

:::ذُنُوبَ عُمْرٍ مَضَى في الشِّعْرِ والخِدَم

إذ قلداني ما تُخشى عواقبهُ

:::كَأنَّني بهما هَدْيٌ مِنَ النَّعَم

أطَعْتُ غَيَّ الصِّبَا في الحَالَتَيْنِ ومَا

:::حصلتُ إلاَّ على الآثامِ والندمِ

فيا خسارةَ نفسٍ في تجارتها

:::لم تشترِ الدِّينَ بالدنيا ولم تَسُمِ

وَمَنْ يَبِعْ آجِلًا منهُ بِعاجِلِهِ

:::يَبِنْ لهُ الغَبْنُ في بَيْعِ وَفي سَلَمِ

إنْ آتِ ذَنْبًا فما عَهْدِي بِمُنْتَقِضٍ

:::مِنَ النبيِّ وَلا حَبْلِي بِمُنْصَرِمِ

فإنَّ لي ذمةً منهُ بتسميتي

:::مُحمدًا وَهُوَ الخَلْيقِ بالذِّمَمِ

إن لم يكُن في معادي آخذًا بيدي

:::فضلًا وإلا فقلْ يا زَلَّةَ القدمِ

حاشاهُ أنْ يحرمَ الرَّاجي مكارمهُ

:::أو يرجعَ الجارُ منهُ غيرَ محترمِ

ومنذُ ألزمتُ أفكاري مدائحهُ

:::وَجَدْتُهُ لِخَلاصِي خيرَ مُلْتَزِم

وَلَنْ يَفُوتَ الغِنى مِنْهُ يدًا تَرِبَتْ

:::إنَّ الحَيا يُنْبِتُ الأزهارَ في الأكَمِ

وَلَمْ أُرِدْ زَهْرَةَ الدُّنْيا التي اقتطَفَتْ

:::يدا زُهيرٍ بما أثنى على هرمِ


هنا يتحدث البوصيري أنّ قصيدته هذه توبة إلى الله تعالى بما كان قبلها من شعر فيه الهجاء والسباب وغير ذلك، ثمّ يعرّج للحديث عن التوسل بالنبي -عليه الصلاة والسلام- ومشروعيته وأنّه يرجو شفاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم القيامة ونحو ذلك.


من المفردات التي تحتاج إلى شرح في هذا المقطع:


المفردة
المعنى
الغبن
النقصان في البيع والشراء والخداع ونحوه.
منصرم
مع الحبل تعني أنّه مقطوع.


شرح المقطع العاشر

يقول البوصيري في المقطع الأخير من بردته:


يا أكرَمَ الخلق مالي مَنْ أَلُوذُ به

:::سِوَاكَ عندَ حلولِ الحادِثِ العَمِمِ

وَلَنْ يَضِيقَ رَسولَ الله جاهُكَ بي

:::إذا الكريمُ تَحَلَّى باسْمِ مُنْتَقِمِ

فإنَّ من جُودِكَ الدنيا وَ ضَرَّتها

:::ومن علومكَ علمَ اللوحِ والقلمِ

يا نَفْسُ لا تَقْنَطِي مِنْ زَلَّةٍ عَظُمَتْ

:::إنَّ الكَبائرَ في الغُفرانِ كاللَّمَمِ

لعلَّ رحمةَ ربي حين يقسمها

:::تأتي على حسب العصيانِ في القسمِ

يا ربِّ واجعل رجائي غير منعكسٍ

:::لَدَيْكَ وَاجعَلْ حِسابِي غَيرَ مُنْخَزِمِ

والطفْ بعبدكَ في الدارينَِّ إن لهُ

:::صبرًا متى تدعهُ الأهوالُ ينهزمِ

وائذنْ لِسُحْبِ صلاةٍ منكَ دائمةٍ

:::على النبيِّ بمنهلٍّ ومنسجمِ

ما رَنَّحَتْ عَذَباتِ البانِ ريحُ صَبًا

:::وأطْرَبَ العِيسَ حادي العِيسِ بِالنَّغَمِ


هذا المقطع يجعله البوصيري لمناجاة الله تعالى ودعائه ورجائه أن تشمله رحمته وأن يكون من الذين يشفع بهم النبي -عليه الصلاة والسلام-، ويتحدث عن المنح التي أعطاها الله سبحانه وتعالى، فيقول إنّه خلق الأكوان كرامة للنبي، وأنّه أطلعه على ما كُتب في اللوح المحفوظ وعلّمه ما لم يعلم عن القلم وغير ذلك.


ومن المفردات التي تحتاج إلى شرح في هذا المقطع:


المفردة
المعنى
اللمم
اللمم هي صغائر الذنوب.
صَبا
هي الريح التي تأتي من جهة المشرق.


مرّ في قصيدة البوصيري كثير من الصور الفنية، ومن أبرزها ما يأتي:

  • سرى طيف

استعارة مكنيّة، شبّه الطيف بإنسان يسري، حذف المشبه به وأبقى على شيء من لوازمه.

  • النفس كالطفل

تشبيه مُجمَل، حذف الشاعر وجه الشبه.

  • اشتكت قدماه

استعارة مكنية، شبّه الأقدام بإنسان يشكو، فحذف المشبه به وأبقى على شيء من لوازمه.

  • سامني الدهر ضيمًا

استعارة مكنية، شبه الدهر بإنسان يظلِم، فحذف المشبه به وأبقى على شيء من لوازمه.


من الأفكار الرئيسة التي دارت حولها قصيدة البوصيري:

  • التحذير من هوى النفس.
  • الحضّ على الندم والتوبة.
  • الزهد في الدنيا والحض عليه.
  • الحث على مدح النبي -صلى الله عليه وسلم- ونفي الغلو عن المدائح النبوية.
  • بيان أهمية المولد النبوي الشريف.
  • بيان معجزات النبي -عليه الصلاة والسلام- وزهده وجهاده وبيان فضله على الأمة.
  • بيان فضائل الصحابة ولا سيّما الصدّيق -رضي الله عنه-.
  • بيان شرف القرآن الكريم ورفعته وإعجازه وحلاوته.