شعر حسان بن

شعر حسان بن

حسّان بن ثابت -رضي الله عنه- هو شاعر الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وقد اشتُهِر بالعديد من القصائد الشهيرة، ونذكر منها ما يأتي:

قصيدته في مدح الرسول

مما قاله حسّان بن ثابت -رضي الله عنه- في مدح الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما يأتي:

أغرّ، عليه للنّبوّة خاتم

من الله مشهود يلوح ويشهد

وضمّ الإله اسم النّبي إلى اسمه

إذ قال في الخمس المؤذّن أشهد

وشقّ له من اسمه كي يجلّه

فذو العرش محمود، وهذا محمّد

نبي أتانا بعد يأس وفترة

من الرّسل، والأوثان في الأرض تعبد

فأمسى سراجا مستنيرا وهاديا

يلوح كما لاح الصّقيل المهنّد

وأنذرنا نارا، وبشّر جنة

وعلّمنا الإسلام، فالله نحمد

وأنت إله الخلق ربّي وخالقي

بذلك ما عمّرت في الناس أشهد

تعاليت ربّ الناس عن قول من دعا

سواك إلها، أنت أعلى وأمجد

لك الخلق والنّعماء، والأمر كلّه

فإيّاك نستهدي، وإيّاك نعبد

قصيدته في رثاء الرسول

مما قاله حسّان بن ثابت -رضي الله عنه- في رثاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما يأتي:

بَطَيبَةَ رَسمٌ لِلرَسولِ وَمَعهَدُ

مُنيرٌ وَقَد تَعفو الرُسومُ وَتَهمَدِ

وَلا تَنْمَحي الآياتُ مِن دارِ حُرمَةٍ

بِها مِنبَرُ الهادي الَذي كانَ يَصعَدُ

وَواضِحُ آثارٍ وَباقي مَعالِمٍ

وَرَبعٌ لَهُ فيهِ مُصَلّى وَمَسجِدُ

بِها حُجُراتٌ كانَ يَنزِلُ وَسطَها

مِنَ اللَهِ نورٌ يُستَضاءُ وَيوقَدُ

مَعارِفُ لَم تُطمَس عَلى العَهدِ آيُها

أَتاها البِلى فَالآيُ مِنها تُجَدَّدُ

عَرِفتُ بِها رَسمَ الرَسولِ وَعَهدَهُ

وَقَبراً بِها واراهُ في التُربِ مُلحِدُ

ظَلَلتُ بِها أَبكي الرَسولِ فَأَسعَدَت

عُيونٌ وَمِثلاها مِنَ الجِفنِّ تُسعَدُ

تَذَكَّرُ آلاءَ الرَسولِ وَما أَرى

لَها مُحصِياً نَفسي فَنَفسي تَبَلَّدُ

مُفَجَّعَةً قَد شَفَّها فَقدُ أَحمَدٍ

فَظَلَّت لِآلاءِ الرَسولِ تُعَدِّدُ

وَما بَلَغَت مِن كُلِّ أَمرٍ عَشيرَهُ

وَلَكِن لِنَفسي بَعدُ ما قَد تَوَجَّدُ

أَطالَت وُقوفاً تَذرِفُ العَينُ جُهدَها

عَلى طَلَلِ القَبرِ الَذي فيهِ أَحمَدُ

فَبورِكتَ يا قَبرَ الرَسولِ وَبورِكَت

بِلادٌ ثَوى فيها الرَشيدُ المُسَدَّدُ

وَبورِكَ لَحدٌ مِنكَ ضُمِّنَ طَيِّباً

عَلَيهِ بِناءٌ مِن صَفيحٍ مُنَضَّدُ

تَهيلُ عَلَيهِ التُربَ أَيدٍ وَأَعيُنٌ

عَلَيهِ وَقَد غارَت بِذَلِكَ أَسعُدُ

لَقَد غَيَّبوا حِلماً وَعِلماً وَرَحمَةً

عَشِيَّةَ عَلَّوهُ الثَرى لا يُوَسَّدُ

وَراحوا بِحُزنٍ لَيسَ فيهِم نَبيُّهُم

وَقَد وَهَنَت مِنهُم ظُهورٌ وَأَعضُدُ

يُبَكّونَ مَن تَبكي السَمَواتُ يَومَهُ

وَمَن قَد بَكَتهُ الأَرضُ فَالناسُ أَكمَدُ

وَهَل عَدَلَت يَوماً رَزِيَّةُ هالِكٍ

رَزِيَّةَ يَومٍ ماتَ فيهِ مُحَمَّدُ

تَقَطَّعَ فيهِ مُنزَلُ الوَحيِ عَنهُمُ

وَقَد كانَ ذا نورٍ يَغورُ وَيُنجِدُ

يَدُلُّ عَلى الرَحمَنِ مَن يَقتَدي بِهِ

وَيُنقِذُ مِن هَولِ الخَزايا وَيُرشِدُ

إِمامٌ لَهُم يَهديهِمُ الحَقَّ جاهِداً

مُعَلِّمُ صِدقٍ إِن يُطيعوهُ يَسعَدوا

عَفُوٌّ عَنِ الزَلّاتِ يَقبَلُ عُذرَهُم

وَإِن يُحسِنوا فَاللَهُ بِالخَيرِ أَجوَدُ

وَإِن نابَ أَمرٌ لَم يَقوموا بِحَملِهِ

فَمِن عِندِهِ تَيسيرُ ما يَتَشَدَّدُ

فَبينا هُمُ في نِعمَةِ اللَهِ وَسطَهُم

دَليلٌ بِهِ نَهجُ الطَريقَةِ يُقصَدُ

عَزيزٌ عَلَيهِ أَن يَجوروا عَنِ الهُدى

حَريصٌ عَلى أَن يَستَقيموا وَيَهتَدوا

عَطوفٌ عَلَيهِم لا يُثَنّي جَناحَهُ

إِلى كَنَفٍ يَحنو عَلَيهِم وَيَمهَدُ

فَبَينا هُمُ في ذَلِكَ النورِ إِذ غَدا

إِلى نورِهِم سَهمٌ مِنَ المَوتِ مُقصَدُ

فَأَصبَحَ مَحموداً إِلى اللَهِ راجِعاً

يُبكيهِ حَقُّ المُرسِلاتِ وَيُحمَدُ

وَأَمسَت بِلادُ الحُرمَ وَحشاً بِقاعُها

لِغَيبَةِ ما كانَت مِنَ الوَحيِ تَعهَدُ

قِفاراً سِوى مَعمورَةِ اللَحدِ ضافَها

فَقيدٌ تُبَكّيهِ بَلاطٌ وَغَرقَدُ

وَمَسجِدُهُ فَالموحِشاتُ لِفَقدِهِ

خَلاءٌ لَهُ فيهِ مَقامٌ وَمَقعَدُ

وَبِالجَمرَةِ الكُبرى لَهُ ثَمَّ أَوحَشَت

دِيارٌ وَعَرصاتٌ وَرَبعٌ وَمَولِدُ

فَبَكّي رَسولَ اللَهِ يا عَينُ عَبرَةً

وَلا أَعرِفَنكِ الدَهرَ دَمعَكِ يَجمَدُ

وَما لَكِ لا تَبكينَ ذا النِعمَةِ الَّتي

عَلى الناسِ مِنها سابِغٌ يَتَغَمَّدُ

فَجودي عَلَيهِ بِالدُموعِ وَأَعوِلي

لِفَقدِ الَذي لا مِثلُهُ الدَهرُ يوجَدُ

وَما فَقَدَ الماضونَ مِثلَ مُحَمَّدٍ

وَلا مِثلُهُ حَتّى القِيامَةِ يُفقَدُ

أَعَفَّ وَأَوفى ذِمَّةً بَعدَ ذِمَّةٍ

وَأَقرَبَ مِنهُ نايِلاً لا يُنَكَّدُ

وَأَبذَلَ مِنهُ لِلطَريفِ وَتالِدِ

إِذا ضَنَّ مِعطاءُ بِما كانَ يُتلَدُ

وَأَكرَمَ صيتاً في البُيوتِ إِذا اِنتَمى

وَأَكرَمَ جَدّاً أَبطَحيّاً يُسَوَّدُ

وَأَمنَعَ ذِرواتٍ وَأَثبَتَ في العُلى

دَعائِمَ عِزٍّ شامِخاتٍ تُشَيَّدُ

وَأَثبَتَ فَرعاً في الفُروعِ وَمَنبِتاً

وَعوداً غَذاهُ المُزنُ فَالعودُ أَغيَدُ

رَباهُ وَليداً فَاِستَتَمَّ تَمامُهُ

عَلى أَكرَمِ الخَيراتِ رَبٌّ مُمَجَّدُ

تَناهَت وَصاةُ المُسلِمينَ بِكَفِّهِ

فَلا العِلمِ مَحبوسٌ وَلا الرَأيُ يُفنَدُ

أَقولُ وَلا يُلفى لِما قُلتُ عائِبٌ

مِنَ الناسِ إِلّا عازِبُ العَقلِ مُبعَدُ

وَلَيسَ هَوايَ نازِعاً عَن ثَنائِهِ

لَعَلّي بِهِ في جَنَّةِ الخُلدِ أَخلَدُ

مَعَ المُصطَفى أَرجو بِذاكَ جِوارَهُ

وَفي نَيلِ ذاكَ اليَومِ أَسعى وَأَجهَدُ

قصيدته في فتح مكة

أنشد حسّان بن ثابت -رضي الله عنه- في فتح مكّة ما يأتي من الأبيات:

عَفَت ذاتُ الأَصابِعِ فَالجِواءُ

إِلى عَذراءَ مَنزِلُها خَلاءُ

دِيارٌ مِن بَني الحَسحاسِ قَفرٌ

تُعَفّيها الرَوامِسُ وَالسَماءُ

وَكانَت لا يَزالُ بِها أَنيسٌ

خِلالَ مُروجَها نَعَمٌ وَشاءُ

فَدَع هَذا وَلَكِن مَن لَطيفٍ

يُؤَرِّقُني إِذا ذَهَبَ العِشاءُ

لِشَعثاءَ الَّتي قَد تَيَّمَتهُ

فَلَيسَ لِقَلبِهِ مِنها شِفاءُ

كَأَنَّ خَبيأَةٍ مِن بَيتِ رَأسٍ

يَكونُ مِزاجَها عَسَلٌ وَماءُ

عَلى أَنيابِها أَو طَعمُ غَصٍّ

مِنَ التُفّاحِ هَصَّرَهُ اِجتِناءُ

إِذا ما الأَشرِباتُ ذُكِرنَ يَوماً

فَهُنَّ لِطَيِّبِ الراحِ الفِداءُ

نُوَلّيها المَلامَةَ إِن أَلَمنا

إِذا ما كانَ مَغثٌ أَو لِحاءُ

وَنَشرَبُها فَتَترُكُنا مُلوكاً

وَأُسداً ما يُنَهنِهُنا اللِقاءُ

عَدِمنا خَيلَنا إِن لَم تَرَوها

تُثيرُ النَقعَ مَوعِدُها كَداءُ

يُبارينَ الأَسِنَّةِ مُصغِياتٍ

عَلى أَكتافِها الأَسَلُ الظِماءُ

تَظَلُّ جِيادُنا مُتَمَطِّراتٍ

تُلَطِّمُهُنَّ بِالخُمُرِ النِساءُ

فَإِمّا تُعرِضوا عَنّا اِعتَمَرنا

وَكانَ الفَتحُ وَاِنكَشَفَ الغِطاءُ

وَإِلّا فَاِصبِروا لِجَلادِ يَومٍ

يُعينُ اللَهُ فيهِ مَن يَشاءُ

وَقالَ اللَهُ قَد يَسَّرتُ جُنداً

هُمُ الأَنصارُ عُرضَتُها اللِقاءُ

لَنا في كُلِّ يَومٍ مِن مَعَدٍّ

قِتالٌ أَو سِبابٌ أَو هِجاءُ

فَنُحكِمُ بِالقَوافي مَن هَجانا

وَنَضرِبُ حينَ تَختَلِطُ الدِماءُ

وَقالَ اللَهُ قَد أَرسَلتُ عَبداً

يَقولُ الحَقَّ إِن نَفَعَ البَلاءُ

شَهِدتُ بِهِ وَقَومي صَدَّقوهُ

فَقُلتُم ما نُجيبُ وَما نَشاءُ

وَجِبريلٌ أَمينُ اللَهِ فينا

وَروحُ القُدسِ لَيسَ لَهُ كِفاءُ

أَلا أَبلِغ أَبا سُفيانَ عَنّي

فَأَنتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَواءُ

هَجَوتَ مُحَمَّداً فَأَجَبتُ عَنهُ

وَعِندَ اللَهِ في ذاكَ الجَزاءُ

أَتَهجوهُ وَلَستَ لَهُ بِكُفءٍ

فَشَرُّكُما لِخَيرِكُما الفِداءُ

هَجَوتَ مُبارَكاً بَرّاً حَنيفاً

أَمينَ اللَهِ شيمَتُهُ الوَفاءُ

فَمَن يَهجو رَسولَ اللَهِ مِنكُم

وَيَمدَحُهُ وَيَنصُرُهُ سَواءُ

فَإِنَّ أَبي وَوالِدَهُ وَعِرضي

لِعِرضِ مُحَمَّدٍ مِنكُم وِقاءُ

فَإِمّا تَثقَفَنَّ بَنو لُؤَيٍّ

جَذيمَةَ إِنَّ قَتلَهُمُ شِفاءُ

أولَئِكَ مَعشَرٌ نَصَروا عَلَينا

فَفي أَظفارِنا مِنهُم دِماءُ

وَحِلفُ الحَرِثِ اِبنِ أَبي ضِرارٍ

وَحِلفُ قُرَيظَةٍ مِنّا بُراءُ

لِساني صارِمٌ لا عَيبَ فيهِ

وَبَحري لا تُكَدِّرُهُ الدِلاءُ