قصة أصحاب الأخدود للأطفال

قصة أصحاب الأخدود للأطفال
(اخر تعديل 2023-06-08 00:33:32 )
بواسطة

قصَّتُنا اليوم عنْ أُناس عاشوا في زمنٍ ماضٍ، وقدْ آمنوا بالله -عز وجل-، فتعرضوا لأشدِّ أنواع الأذى ولكنَّهُم صبروا وثَبَتوا على الْحق، ويجدر بنا الإشارة إلى ضرورة تثبيت معاني الإيمان بالله -تعالى- في نفوس الأطفال، من خلال القصص القرآني بأسلوب مبسط يراعي أفهامهم.

تبدأ القصة من قصْر الملكِ في ذاك الزَّمان، حيْثُ كانَ ملكًا ظالِمًا وكافرًا يدّعي أنَّه إلهٌ من دون الله، ويُجبِرُ قوْمه على عبادَتِه، ويُعاوِنه في ذلك ساحِرٌ كاذب، يخْدَع أعْيُن النَّاس بسحرِه ويجعلهم يعتقِدون بقدرته على فعل أشياء لا وجود لها.

ولمَّا كبُر هذا السَّاحر خشِي أن يَموتَ ويندَثِرَ سِحْرُه، فطلب من الْملك أن يبعَثَ لهُ غُلامًا ذكيَّا يعلِّمه فن خداع النَّاس ويوَرِّثه سحْره، فيُصبحُ مُساعدًا للملك من بعْدِه ويُبقي على مُلْكه، فبعث لهُ غُلامًا شديد الذَّكاء فطِنًا ومُحِبًّا للعلم.

كانَ قدَرُ الله أسْبق لهذا الْغُلام، فقد قدَّرَ له أن يلْتقي في طريقِ ذهابه للسَّاحر راهِبًا يعْبُدُ الله ويعْرِفُه حقَّ الْمعْرفة، فدعاهُ لبيته ليُعلِّمه من الْعلم الَّذي آتاهُ الله إيّاه، فأُعْجِبَ بكلامه وعلمه فأصبحَ يمرُّ عليه كُلَّ يوْمٍ أثناء ذهابه إلى السَّاحر، فيتأخَّرُ عليه فيقومُ السَّاحِرُ بضرْبه بقسْوة.

ولمَّا شكى الْغُلامُ للرّاهب ضرْبَ السَّاحر له، قال لهُ الرَّاهب أن يقول للسَّاحر أنَّ أهلهُ أخَّروه عن الخروج أو منعوه، وإذا خافَ من أن يكْتشِفَ أهلُهُ أمْره، يقول لهم أنَّهُ تأخَّرَ عند السَّاحر، وبهذا يكون قدْ خلَّص نفْسه من الّلومِ أو الضَّرب.

في يومٍ من الْأيَّام عندما كان الْغُلام ذاهِبًا كعادتِه لتلقِّي دروس السِّحر، مرَّ بِأُناسٍ مُجْتَمِعين، وإذْ بِدابَّةٍ اْعتَرَضت طريقَهُم فسدَّتْها وأغْلقتْها، فلم يسْتطِعْ أحدٌ الْمُرور، فوجدَ الْغُلامُ أنَّ هذه فُرْصَةٌ له ليتحقق من أمْرُه؛ وأيهما على الحق الراهب أم السَّاحر.

وأمْسكَ حجَرًا وقال: (اللَّهمَّ إنْ كان أمرُ الرَّاهبِ أحَبَّ إليكَ مِن أمرِ السَّاحرِ؛ فاقتُلْ هذه الدَّابَّةَ حتَّى يمضيَ النَّاسُ)، فقد كان من داخله يميلُ إلى أمر الرَّاهب وبدأَ يُصَدِّق كلامه ويُكذِبُ أمرَ السَّحر لسوء طباعه وشرِّه، لكنّه أحبَّ أنْ يتأكَّدَ من ذلك حتى يحْسِمَ أمْرَه ويُري النَّاس عظمة الله -سبحانه وتعالى-.

لمَّا رمى الْحجَرَ على الدّابة قُتِلَتْ على الْفوْر، ومضى النَّاسُ في طريقهم، فلمَّا ذهب إلى الرَّاهب وأخبره بالقصَّة قال له الرَّاهِبُ: لقد أصْبَحْت أفضل منِّي ما دام الله أكْرَمَك واستجاب دُعاءك بقتل الدَّابة، وحذَرهُ من أنَّه سيواجه المصاعب إذا عرف أحدٌ بأمره، وطلب منْهُ ألّا يدُلَّ عليْه أحدًا حتى لا يتعرَّض للأذى.

لمْ يمْضِ وقْتٌ طويل حتَّى علِمَ الْمَلِكُ بأمْرِ إيمانِ الْغُلام بالله -تعالى- وقصَّة الدَّابة، وكيف قتلَها بإذن الله، فأمَرَ جُنودَهُ أن يقْبِضوا عليْه واتَّخَذَ قرارهُ بِقتْله، فحاوَلَ قتْلَه بأكْثر من طريقة فكان ينْجو في كلِّ مرة بقُدْرة الله وحمايته له.

وقال له الْغُلام: "إذا أرَدْتَ قتْلي فاجْمع النَّاس في مكان، وارمني بسهْم وقُل بسم الله ربِّ الْغُلام"، ففعل الْمَلِكُ ما طلبَ منهُ الْغُلام، فقتَلَهُ السَّهْمُ على الْفور، ولمَّا رأى النَّاس ذلكَ عرَفوا أنَّ الغُلامَ على حق، وآمنوا بالله جميعًا على مرأى من الملك وأتْباعه، فكان قتْلُ الْغُلامِ سببًا لإيمانهم؛ وهذا من حِنكةِ الْغُلام وحبِّه لنشر الإيمان بالله -تعالى-.

لمّا رأى الْملِكُ أنَّ قوْمه آمنوا بالله وكفروا به، أمر جُنودَهُ بإضرامِ نارٍ ضخمة، وألْقى فيها كلَّ من آمن بالله، إلا من يتَراجَع عن إيمانه ويكْفُر بالله؛ فلم يتراجع أحدٌ منْهُم لِما عرَفوا منَ الْحق، وكان من بينِهِم امرأَةٌ معها طفْلٌ رضيع، فأشْفقت عليه وكانت ستتراجع عن إيمانها.

لكنَّ الله أنْطَقه وقال لها: "اثبتي يا أمَّاه فإنَّكِ على الْحق"، فثبتت وكانت من بين الشُّهداء في ذلك الْيوم، وقد ورَدَت قصَّتُهم في سورة الْبُروج، قال -تعالى-: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ* النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ* إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ* وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ* وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).

ومن لُطْف الله بعِباده أنَّهُ خفِّفُ من آلامِهم فلم يشْعُروا بحرق النَّار إلا كوخْزِ الإبرة، بل قبض اللهُ أرواحهُم قبل أن تمسَّهُم النَّار، أمّا الْكفَّارُ والظَّالمون الَّذين أحْرقوهم فلهُم الخزْيُ في الدُّنيا، والنَّارُ موْعِدُهم يوم الْقيامة جزاءً بما فعلوه بالمؤمنين.