قصة جميل

قصة جميل

كان جميل بن معمر من أشهر شعراء الغزل، فقد عاش قصة حب جمعته ببثينة بنت ربيعة، وهي من بني عذرة أيضًا وتلتقي وإياه بالنسب، فقد عاشا في وادي القرى، وهو وادٍ يقع في الحجاز بالقرب من المدينة المنورة، وترجع قصة حبهما إلى الطفولة، فقد أحبها عندما كانت طفلة لا تدرك ماهو الحب.

وقد جمعه بها أول موقف عندما دار خلاف بينه وبينها حول المرعى، فشتمته، وانصدم بنباهتها، فصار مهيمًا بها، وكتب جميل لبثينة العديد من القصائد ومنها:

وَأَوَّلُ ما قادَ المَوَدَّةَ بَينَنا

بِوادي بَغيضٍ يا بُثَينَ سِبابُ

وَقُلنا لَها قَولاً فَجاءَت بِمِثلِهِ

لِكُلِّ كَلامٍ يا بُثَينَ جَوابُ

واعترف جميل بأن بثينة لم تكن حبه الأول، بل كانت له عشيقات قبلها، إلا أنها كانت استثناءً صارخًا بالنسبة له، وقال فيها:

خَليلَيَّ عوجا اليَومَ حَتّى تُسَلّما

عَلى عَذبَةِ الأَنيابِ طَيِّبَةِ النَشرِ

فَإِنَّكُما إِن عُجتُما لِيَ ساعَةً

شَكَرتُكُما حَتّى أُغَيَّبَ في قَبري

أَلِمّا بِها ثُمَّ اِشفِعا لي وَسَلِّما

عَلَيها سَقاها اللَهُ مِن سائِغِ القَطرِ

وَبوحا بِذِكري عِندَ بُثنَةَ وَاِنظُرا

أَتَرتاحُ يَوماً أَم تَهَشَّ إِلى ذِكري

فَإِن لَم تَكُن تَقطَع قُوى الوُدّ بَينَنا

وَلَم تَنسَ ما أَسلَفتُ في سالِفِ الدَهرِ

فَسَوفَ يُرى مِنها اِشتِياقٌ وَلَوعَةٌ

بِبَينٍ وَغَربٌ مِن مَدامِعِها يَجري

وَإِن تَكُ قَد حالَت عَنِ العَهدِ بَعدَنا

وَأَصغَت إِلى قَولِ المُؤَنِّبِ وَالمُزري

فَسَوفَ يُرى مِنها صُدودٌ وَلَم تَكُن

بِنَفسِيَ مِن أَهلِ الخِيانَةِ وَالغَدرِ

أَعوذُ بِكَ اللَهُمَّ أَن تَشحَطَ النَوى

بِبَثنَةَ في أَدنى حَياتي وَلا حَشري

وَجاوِر إِذا ما متُّ بَيني وَبَينَها

فَيا حَبَّذا مَوتي إِذا جاوَرَت قَبري

عَدِمتُكَ مِن حُبٍّ أَما مِنكَ راحَةٌ

وَما بِكَ عَنّي مِن تَوانٍ وَلا فَترِ

عانى جميل من شدة حبه لبثينة، فوصفها في أشعاره وصفًا قيل عنه أنه من أندر ما كُتب في الغزل العذري، ولم يكن هذا النوع من الغزل شائعًا في تلك الفترة؛ فالبيئة الصحراوية بيئة محافظة، وبثينة فتاة بدوية بملامح جميلة، لكنها كانت أجمل النساء بعين جميل الذي كان شغوفًا بحبها لدرجة التيه، فقد وصف نفسه في أشعاره أنه التائه في الأرض بسبب ما فعله حبه لها به.

وقال فيها:

كِلانا بَكى أَو كادَ يَبكي صَبابَةً

إِلى إِلفِهِ وَاِستَعجَلَت عَبرَةً قَبلي

أَعاذِلَتي أَكثَرتِ جَهلاً مِنَ العَذلِ

عَلى غَيرِ شَيءٍ مِن مَلامي وَمِن عَذلي

نَأَيتُ فَلَم يُحدِث لِيَ النَأيُ سَلوَةً

وَلَم أُلفِ طولَ النَأيِ عَن خُلَّةٍ يُسلي

وَلَستُ عَلى بَذلِ الصَفاءِ هَوَيتُها

وَلَكِن سَبَتني بِالدَلالِ وَبِالبُخلِ

أَلا لا أَرى إِثنَين أَحسَنَ شيمَةً

عَلى حَدَثانِ الدَهرِ مِنّي وَمِن جُملِ

فَإِن وُجِدَت نَعلٌ بِأَرضٍ مضِلَّةٍ

مِنَ الأَرضِ يَوماً فَاِعلَمي أَنَّها نَعلي

وعرفت بثينة بالملامح البدوية فقد عرفها الناس من خلال شعر جميل بها، وقال في ملامحها الجميلة:

كِلانا بَكى أَو كادَ يَبكي صَبابَةً

إِلى إِلفِهِ وَاِستَعجَلَت عَبرَةً قَبلي

أَعاذِلَتي أَكثَرتِ جَهلاً مِنَ العَذلِ

عَلى غَيرِ شَيءٍ مِن مَلامي وَمِن عَذلي

نَأَيتُ فَلَم يُحدِث لِيَ النَأيُ سَلوَةً

وَلَم أُلفِ طولَ النَأيِ عَن خُلَّةٍ يُسلي

وَلَستُ عَلى بَذلِ الصَفاءِ هَوَيتُها

وَلَكِن سَبَتني بِالدَلالِ وَبِالبُخلِ

أَلا لا أَرى إِثنَين أَحسَنَ شيمَةً

عَلى حَدَثانِ الدَهرِ مِنّي وَمِن جُملِ

فَإِن وُجِدَت نَعلٌ بِأَرضٍ مضِلَّةٍ

مِنَ الأَرضِ يَوماً فَاِعلَمي أَنَّها نَعلي

كانت بثينة كثيرة الترحال والتنقل إلى جانب أهلها مما جعل جميل يزداد لوعةً واشتياقًا لها، وتذكر المراجع أن بثينة تزوجت برجل آخر لم يحدد المتخصصون في الأدب اسمه بدقة، فقيل إنه نبيه بن الأسود، لكن حدد عباس محمود العقاد صفاته من خلال استنباطه من شعر جميل، وقال إنه رجلٌ أعور ضعيف الملة، لم تكن تحبه، ولم يكن يروقها، وتزوجت به نتيجةً لقيام بني الأحب في الحيلولة دون زواجها من جميل.

وقال جميل في الوشاة:

يُكَذِّبُ أَقوالَ الوُشاةِ صُدودُها

وَيَجتازُها عَنّي كَأَن لا أُريدُها

وَتَحتَ مَجاري الدَمعِ مِنّا مَوَدَّةٌ

تُلاحِظُ سِرّاً لا يُنادي وَليدُها

رَفَعتُ عَنِ الدُنيا المُنى غَيرَ وُدِّها

فَما أَسأَلُ الدُنيا وَلا أَستَزيدُها

أما جميل فلم يتزوج إطلاقًا، وعاش بقية حياته متألمًا لفراق بثينة، واصفًا نفسه بالعاجز، والذي لا يسعه سوى الوقوف على الأطلال، ليس فقط لمجرد ولعه بل لأنه لا يملك خيارًا آخرًا.

تذكر المصادر التاريخية أن جميلًا عاش في الفترة التي بدأ فيها الإسلام بالانتشار خارج جزيرة العرب، وكان في أوائل انتشاره، في القرن الأول الهجري، وكان الخلفاء يحرصون على منع اللهو، وتهديد كل من يقول الغزل، لاعتباره أمرًا منافيًا للقيم الإسلامية.

فقد تقدم أحد الولاة إلى مروان بن الحكم، بشكوى حول قصائد جميل، وغزله ببثينة، فتعرض للتهديد بقطع لسانه، إلا أنه استمر في الغزل ببثينة.

سافر جميل، وترك أطلال بثينة، إلا أنه ظل مشغولًا في التفكير فيها، وقال جميل أبياتًا في بثينة عندما اقترب أجله، وبدأ يحتضر، وأكد على تمسكه بحبه لبثينة، ولم يستطع اللقاء بها قبل أن توافيه المنية،وهذه الأبيات هي:

صَدَعَ النَعِيُّ وَما كَنى بِجَميلِ

وَثَوى بِمِصرَ ثَواءَ غَيرِ قَفولِ

وَلَقَد أَجُرَّ الذَيلَ في وادي القُرى

نَشوانَ بَينَ مَزارِعٍ وَنَخيلِ

بَكُرَ النَعِيُّ بِفارِسٍ ذي هِمَّةٍ

بَطَلٍ إِذا حُمَّ اللِقاءُ مُذيلِ

قومي بُثَينَةُ فَاِندُبي بِعَويلِ

وَاِبكي خَليلَكِ دونَ كُلَّ خَليلِ

وعندما علمت بثينة بوفاة جميل، لم تصدقه، وقالت لمن أخبرها إن كنت صادقًا فقد قتلتني، وإن كنت كاذبًا فلقد فضحتني، وانتحبت باكيةً على وفاته،وقالت فيه:

وإن سُلُوّي عــن جـميلٍ لَسَـاعةٌ

مـن الدهـرِ مـا حانت ولا حان حينها

سـواء علينـا يا جميلَ بـن معمَرٍ

إذا مـت بأســاءُ الحيــاةِ ولينُهــا