قصة عن التسامح بين

قصة عن التسامح بين

كان ياما كان هناك صديقين يلتقون كلّ يوم وقلوبهم مليئة بالحب والوئام، يجلسون معًا يطلقون العنان لأحاديثهم اللذيذة ولذكرياتهم الجميلة معًا منذ طفولتهم حتى وصلوا سن الشباب، يجتمعون معًا على أكلةٍ لذيذة أو سهرة؛ لشرب الشاي تحت ضوء القمر الجميل.

في ليالي الصيف الهادئة، فتُسْمَعُ ضحكاتهم من بعيد، تداعبُ النجوم والقمر في السماء، فما تلبث أن تتراقص النجمات وتبرقُ، في سماء الحب والصداقة.


وبدأت تتطايرُ من عيون الصديقين أحمد وفراس شراراتٌ تُنْبئُ باقتراب سحابة سوداء؛ لتُخيم فوق صداقتهما التي ما فُتِقَتْ منذ نعومة أظفارهم؛ ولأنّ بعض الأصدقاء كانوا حاضرين عند تلك المشكلة؛ حدثت مشادات كلامية وتداخلات، لا داعي لها حتى إنّ فراس أطلق بعض العبارات الجارحة، نحو أحمد الذي استشاط غضبًا .

وقام بلكم فراس لكمة ألقته على الأرض وأمامهم جميعًا، لم يستوعب فراس ما جرى وما كاد يصدق نفسه، نهض فراس ونفض غبار الصدمة والأسى عن ملابسه، ونظر حوله متفحصًا وجوه الحاضرين حتى وصلت عيونه صوب أحمد، ومن ثم قال له: قتلت قلبي يا أحمد وأمامهم جميعًا، ألا تعلم يا أحمد، أنني لم أكن قاصدًا أذيتك!

وإنّ ما جرى لم يكن إلا سوء فهم عابر؟ ولكن قلبك يا أحمد، تغير نحوي منذ مدة، ولم تعد تطقُ لي كلمة واحدة، يا أحمد، يا صديق الطفولة، يا نبع الأمان والحب، ها قد جاء اليوم الذي أقول لك فيه: هذا فراقٌ بيني وبينك، يا أحمد.


وكان الوقت حينها نهاية امتحانات الثانوية العامة، وبداية عهد دراسي جديد، وهو الدراسة الجامعية، علمًا أنّ الاثنين فراس وأحمد نجحا معًا وبتفوُّق كبير، وكانا قد أقاما في وقتٍ سابق، حفلة جميلة جمعتهما معًا مع عائلتيهما الكبيرتين.

لكن كان لا بد من تلك السحابة السوداء أن تزورهما يومًا؛ لذا عاش الصديقان أسوأ فترة من حياتهما، فلا لقاء يجمعهما معًا، ولا هواتف، ولا حتى سلام، في حال مر أحدهما بجانب الآخر.


ومما زاد الفرقة بينهما أن لفّقَ بعض الأصدقاء حكايات عنهما ونقلوا كلامًا كذبًا لهما، حتى تباعدت الأيام أكثر وحتى الطريق التي حلُما معًا ورسماها جنبًا إلى جنب أصبحت خالية منهما، بخاصة أنّ كليهما قدّما طلبًا للجامعة نفسها؛ من أجل الالتحاق بها كي يكونا معًا، حتى عند دراستهما خارج الوطن.

وما إن ظهرت نتائج القبول الجامعي، حتى رمق كلّ منهما اسم صاحبه: مقبولًا في الجامعة نفسها ، لكنهما لم يباليا بالأمر، فكل منهما: لا يعرف الآخر، وقد فرقت بينهما الخلافات.


حزم كل منهما أمتعته، وقبل أن ينطلقا صوب المطار، بذل أحد أصدقائهما مجهودًا؛ كي يصلح بينهما، ولكنّ أحدًا لم يهتم للأمر، ومضى كلٌ في طريقه، حتى تبيَّن أنهما سيستقلان الطائرة نفسها، وحالما أقلعت الطائرة، وقطعت بعض المسافة، وكل من الصديقين يحمل في قلبه حقدًا دفينًا.

وكانا يظنان أنه لم يعدْ هناك مجالٌ للعودة، حينها خرج عليهم مشرف الرحلة؛ ليطلب منهم شدّ الأحزمة؛ وذلك بسبب خلل فني حدث في الطائرة، وما هي إلا لحظات، حتى بدأت الطائرة تتأرجح في السماء، وبدأت تتعالى أصوات الركاب، وقلوبهم تمتلئ رعبًا.


محاولًا النهوض من مقعده؛ حاولوا السيطرة عليه، ولكنهم لم يفلحوا بخاصّة أنّ ذلك الشاب بدأ يصرخ ويقول: أين أنت يا صديقي أحمد؟ أين أنت؟ كان أحمد خائفًا، لكن خوفه زال عندما أيقن أن ذلك الصوت؛ يعود لصديقه فراس، الذي لطالما اشتاق إليه، وصل فراسُ عند أحمد، وجلس بجانبه، واحتضنه وأخبره: أنه لا يبالي بالمخاطر.

إذ يكفي جلوسهما معًا، ظلّت الطائرة تتأرجح في السماء بينما، يحاول التقنيين: إصلاح الخلل، حتى أعلن قائد الطائرة: أن الخطر قد زال، وأنه بإمكان كل فرد خلع حزام الأمان، وتوجه نحو الصديقين وطلب منهما: أن يجلسا مكانهما، لكنهما رفضا ذلك وقالا بصوتٍ واحد: أنا حيث يكون صاحبي لا مناص!!! تعانق الصديقان معًا، وانطلقا في رحلتهما نحو المستقبل؛ مُتسامحين متكاتفين.

إن العبرة المستفادة من هذه القصة تقول إنه مهما زاد الفراق وباعدت بين الأصدقاء الخلافات والمشاكل، لابدّ وأن تعود يومًا تلك العلاقة، وشمسُ المحبة تنير ظلمة الليالي الحالكة.