دعاء العطاس

دعاء العطاس

في لحظة العطاس، يُعَدُّ رد الفعل الطبيعي أن يُتبَع العطاس بقول "يَرحَمُكَ اللَّهُ"، إشارة إلى الدعاء للشخص بالرحمة والصحة، وفي هذا المقال ستعرف لماذا يُقال ذلك، والأسباب التي تدفعنا للتعبير عن الدعاء للآخرين بالرحمة والصحة بعد العطاس.

دعاء العطاس:

إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خلَّد لنا قيماً عظيمة من خلال أفعاله وسلوكه الحميد، فقدَّم أروع الأمثلة عن سبيل تعزيز الروابط الاجتماعية بين المسلمين، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهمية ربط العلاقات القلبية بين الأفراد من خلال توجيهاته العملية، وأحد تلك المظاهر البسيطة هو توجيهه بشأن تشميت العاطس.

رَوَى البُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الحمْدُ لِلهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ؛ فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ".

كذلك عن أَبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إنَّ الله يُحِبُّ العطاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثاؤبَ، فَإذَا عَطَس أحَدُكُم وَحَمِدَ الله تَعَالَى كانَ حقَّاً عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سمعهُ أنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، وأما التَّثاؤب فَإنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإذَا تَثَاءَبَ أحَدُكُمْ فليردَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإنَّ أحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ"، رواه البخاري.

تُعَدُّ هذه الأحاديث النبوية توجيهاً من النبي صلى الله عليه وسلم بأدب الرد على العطس؛ إذ يُشجع الشخص الذي عطس على قول "الحمد لله"، وهو عبارة تعبِّر عن شكر الله على هذه النعمة والحفاظ على صحة الشخص الذي عطس، ثم يُوصي من يسمع العطس بأن يقول: "يرحمك الله"، وهذا يعبِّر عن الدعاء للشخص بأن يرحمه الله ويحفظه من أي ضرر.

في حال الرد على دعاء العطس بقول "يهديكم الله ويصلح بالكم"، يكون هذا الرد دعاء للشخصين، أولاً بأن يهديهم الله ويقودهم إلى الطريق الصواب، وثانياً بأن يصلح أوضاعهم ويحفظ صحتهم وشأنهم وحالهم في الدين والدنيا.

يعلِّمنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما يأتي:

1. الأدب والأخلاق الحسنة:

يعلِّمنا حديث دعاء العطس أدب الرد على العطس، وهذا تبرز أهمية الأخلاق الحميدة في تعاملاتنا اليومية.

2. الدعاء للآخرين بالخير:

يُظهِر الحديث أهمية الدعاء للآخرين بالرحمة والهداية والصحة، وهو مظهر من مظاهر العناية والتضامن الاجتماعي.

3. الشكر والحمد لله في كل الأوقات:

دعاء العطاس تعليم الشكر والحمد لله حتى في اللحظات البسيطة مثل عطس الإنسان، وهذا يعكس قيمة الامتنان والاعتراف بنعم الله في كل الأحوال.

4. العطاس موقف محبب لله:

فحينما يحمد الشخص الله بعد العطاس، يجب على الآخرين أن يدعوا له بالرحمة.

إمرأة تعطس

5. الدعاء بالهداية:

الدعاء بالهداية في الدين والدنيا هو أرفع مقام الدعاء.

6. التثاؤب بخلاف العطاس:

يُعَدُّ التثاؤب من أعمال الشيطان، فالنبي صلى الله عليه وسلم يوجه المسلمين إلى تجنُّبه قدر الإمكان، وحينما يتثاءب أحد، يُشجع على كبحه وعدم المبالاة تجاهه.

دعاء العطاس للأطفال:

في الإسلام، يجب تعليم دعاء العطاس للأطفال الذي يعبِّر عن الشكر والحمد لله؛ إذ يُشجَّع الطفل على قول "الحمد لله" بعد عطسه، وفي هذه اللحظة، يرد عليه أحدهم بالدعاء قائلاً: "يرحمك الله"، ومن ثم يجب تعليم الطفل الرد بالدعاء قائلاً: "يهديكم الله ويصلح بالكم"، هذا الروتين اللطيف يُعلِّم الأطفال قيم الشكر والرعاية الاجتماعية في الأوقات البسيطة من حياتهم، وهو ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حكم قول الحمد لله بعد العطس في الصلاة:

من عطس وهو في الصلاة فإنَّه يُشرَع له أن يحمد الله سبحانه، وقال جمهور العلماء إنَّه يمكن الجهر بذلك، ويؤيد ذلك أيضاً ما راوه الترمذي عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَطَسْتُ، فَقُلْتُ: الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ، مُبَارَكاً عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ، فَقَالَ: مَنِ المُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ، فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مَلَكاً، أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا».

لكن إذا كان الإنسان في الصلاة وخاف أن يشوش على من معه من المصلين، فليُسِر بالحمد أو يجهر بقدر ما يُسمِع به نفسه لئلا يشوش على المصلين؛ لأنَّه يُخشى إذا جهر به بصوت مرتفع أن يشوش على المصلين، أو أن يستعجل أحدٌ من الناس، فيقول: يرحمكم الله، وإذا كان القائل يصلي، فإنَّ صلاته تبطل؛ لأنَّه صار فيها خطاب وكلام بين الآدميين، والتشميت لا يجوز في الصلاة، فقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بكلام الناس في الصلاة: "إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها من شيء من كلام الناس؛ إنَّما هي التسبيح والتحميد والتكبير وقراءة القرآن".

يعطي النبي محمد صلى الله عليه وسلم توجيهاً حاسماً بأنَّ الصلاة لا يجب أن تتضمن أي نوع من أنواع الحديث العابث أو غير الهام، فالصلاة في الإسلام هي فترة مخصصة للتواصل المباشر مع الله.

تأتي هذه العبارة لتؤكد أنَّ الأقوال التي تخرج عن نطاق التسبيح والتحميد والتكبير والقراءة من القرآن ليست جائزة في الصلاة؛ إذ يحث النبي صلى الله عليه وسلم على ترك الحديث والتركيز على العبادة الخالصة، وهذا يعكس التفرغ الكامل والانصراف الداخلي للمصلي نحو الله.

تشميت العاطس:

التشميت في الإسلام هو الدعاء للشخص الذي عطس بالرحمة والبركة، ففي دعاء العطاس عندما يعطس أحد، يجب على الآخرين قول: "يَرحَمُكَ اللهُ"، فهذا الدعاء يُعَدُّ من الأعمال المحسنة والمستحبة في الإسلام؛ إذ يُظهِر التقدير والاهتمام بصحة وراحة الشخص الذي عطس.

اتفق الفقهاء على مشروعيته، واختلفوا في درجة المشروعية، فيوجد من ذهب إلى عَدِّه واجباً، وذهب الشافعية إلى أنَّه سنة مستندين في ذلك إلى ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ: يَرْحَمُكَ اللهُ»، رواه البخاري.

إذا لم يحمد اللهَ العاطسُ بعد عطسته فلا يشمت، بدلالة حديث الرسول الكريم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللهَ فَلا تُشَمِّتُوهُ».

عن أنسٍ قَالَ: "عَطسَ رَجُلانِ عِنْدَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ، فَقَالَ الَّذِي لَمْ يُشَمِّتْهُ: عَطسَ فُلانٌ فَشَمَّتهُ، وَعطستُ فَلَم تُشَمِّتني؟! فَقَالَ: هَذَا حَمِدَ الله، وإنَّك لَمْ تَحْمَدِ الله" متفقٌ عَلَيْهِ.

يثبت هذا الحديث الدعوة إلى الشكر والحمد لله في لحظة العطاس، فالرجل الذي عطس ولم يُشَمَّت كان قد أكمل الدعاء الذي يقوله الإنسان بعد العطس، وهو "الحمد لله"، فعندما قال له الآخر الذي لم يُشَمَّت: "عَطَسَ فُلانٌ فَشَمَّتهُ، وَعطستُ فَلَم تُشَمّتني؟!"، فأجابه بأنَّ "هَذَا حَمِدَ الله، وإنَّك لَمْ تَحْمَدِ الله".

هل العطاس محبب إلى الله تعالى؟

نعم، يُعَدُّ العطاس في الإسلام لحظة شكر وتواضع وتعبير عن الرعاية والاهتمام بالآخرين، وهو من الأفعال التي يحبها الله عز وجل، ويجب علينا أن نلحق فعل العطس بدعاء العطس الذي علَّمنا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ما هي آداب العطاس في الإسلام؟

  • قول "الحمد لله" أو "الحمد لله رب العالمين".
  • قول "يرحمك الله" لمن رآك عطست.
  • الرد على الدعاء - بعد أن يقول لك شخص "يرحمك الله" - "يهديكم الله ويصلح بالكم".
  • تغطية الأنف والفم؛ إذ يفضل تغطية الفم والأنف عند العطاس باستخدام منديل ورقي أو ثني الكوع للحفاظ على النظافة ومنع انتشار الجسيمات.
  • عدم التوجه نحو الآخرين؛ إذ يفضل ألا يتجه الشخص بالعطاس نحو الآخرين؛ بل يتجه بعيداً قليلاً لمنع انتقال الجسيمات إليهم.
  • في الختام:

    العطاس هذه اللحظة البسيطة التي تحمل في طياتها قيماً عميقة في الإسلام، هي ليست مجرد رد فعل؛ بل هي لحظة لتذكِّرنا بأهمية حمد الله وشكره، وتذكِّرنا أيضاً بأنَّنا في كل الأحوال يمكننا التواصل مع الله بشكل بسيط وصادق، معبِّرين عن الشكر والامتنان لنعمه الكثيرة التي لا تُحصى.

    كما أنَّ دعاء العطاس يعبِّر أيضاً عن الرحمة والاهتمام بالآخرين؛ إذ تجسِّد هذه العادة قِيم التراحم والتواصل في المجتمع، وتعكس الروح الإنسانية للعناية بصحة الآخرين، فهي تذكير بالرحمة والبركة والعناية ببعضنا بعضاً في اللحظات اليومية، وفي النهاية حين نرفع الحمد والشكر في أقل التفاصيل، نعكس تقديرنا للإحسانات التي وهبها الله لنا ونزرع بذور الإيمان في قلوبنا وقلوب صغارنا.