التغيرات المناخية وتأثيرها على الصحة

التغيرات المناخية وتأثيرها على الصحة

ويؤكد تقرير الأمم المتحدة أنَّ التغيرات المناخية حالياً سريعة ومكثفة، ويترتب على ذلك حدوث كثير من الظواهر المناخية والجوية المتطرفة، وعواقب ذلك ستكون محسوسة في مختلف القارات والبلدان، والأكثر تأثراً بالتغيرات المناخية هم المجتمعات الفقيرة؛ فمستويات تعرضها للتغيرات المناخية أكبر ومستويات القدرة على التأقلم منخفضة، وهذا ما يجعل التغيرات المناخية سبباً وجيهاً للهجرة.

مع ارتفاع وتيرة الظواهر المناخية الشاذة يزداد تدمير المنازل والمساكن، ومع تدمير أسباب المعيشة تسعى الناس إلى أماكن أكثر أماناً، وفي هذا السياق نذكر إحصاءات تؤكد أنَّه خلال عامي 2010 و2011 قد نزح أكثر من 42 مليون شخص من منطقة آسيا والمحيط الهادئ نتيجة الفيضانات والعواصف وموجات البرد والحر، معظمهم مجبرون على ذلك، وما زالت الأرقام في ازدياد، ولأنَّ صحة الإنسان ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسلامة البيئة وصحتها؛ سنتحدث في مقالنا الحالي عن آثار التغيرات المناخية في الصحة فتابع القراءة.

مفهوم التغير المناخي:

يفسر العلماء التغيرات المناخية بأنَّها الاضطرابات في مناخ الأرض وارتفاع درجة حرارة الكوكب، ومن ذلك المحيطات والغلاف الجوي على مستوى العالم وطوال سنوات، فنشهد ظواهر طبيعية تميل إلى العنف تتسبب في تدهور التنوع البيئي والغطاء النباتي.

مظاهر التغيرات المناخية:

نلمس كثيراً من مظاهر التغيرات المناخية حالياً، وأبرزها ما يأتي:

أولا: الاحتباس الحراري

يعد من أهم مظاهر التغيرات المناخية على كوكبنا؛ إذ تمتص الأرض جزءاً كبيراً من أشعة الشمس بواسطة المحيطات والبحار واليابسة أيضاً، ومن ثم تصدر الأرض أشعة حرارية إلى الغلاف الجوي، وهنا يأتي دور غازات الاحتباس الحراري التي تحبس أغلب تلك الحرارة في الغلاف الجوي.

غازات الاحتباس الحراري هي الميثان وثاني أكسيد الكربون وأكسيد النيتروز، وتختلف سرعة الإشعاع الحراري المنبعث من الأرض إلى الغلاف الجوي باختلاف السطح النوعي، فاليابسة تشع الحرارة بشكل أسرع من المحيطات والبحار، ففي اليابسة تُمتَص الأشعة الحرارية من قبل الأوراق والخشب والكائنات الحية، أما في البحار والمحيطات تختزن في الصدف والحصى، ومن ثم تتحلل مع الوقت وتعود للغلاف الجوي.

زيادة الإشعاع الواصل للأرض ناتجة عن دوران الأرض حول الشمس بشكل قطع ناقص فتقترب من الشمس ويرتفع متوسط درجة حرارتها، ومن ثم تبرد الأرض أحياناً نتيجة الأبخرة والأتربة والغازات الناتجة عن البراكين والتي تحجب الإشعاع الشمسي عن الأرض لتمر الأرض نتيجة ذلك بتغيرات مناخية متعددة.

ثانياً: التغيرات المناخية بشرية المنشأ

تؤدي بعض النشاطات البشرية التي تزداد بمرور الزمن إلى تغيرات مناخية، ونذكر من أهم النشاطات البشرية:

1. حرق الوقود الأحفوري من مازوت وفحم وبنزين وغاز وما شابه ذلك:

فالوقود المستخدَم في تدوير محركات المصانع أو وسائل النقل أو إنتاج الكهرباء ومختلف العمليات الصناعية هو السبب الرئيسي لإصدار الانبعاثات.

2. القضاء على الغطاء النباتي بقطع الغابات التي تعد مصافي للجو:

نظراً لأنَّها تخزن الكربون، فيزداد التوجه نحو توسيع المدن بمرور الزمن واستبدال الأراضي الزراعية بالمصانع، وهذا يؤدي إلى تراكم الانبعاثات الكربونية بكميات كبيرة، فلا تتمكن الأنظمة الطبيعية من امتصاصها فتزداد عن حدِّها الطبيعي.

3. تخليق غازات صناعية:

مثال سادس فلوريد الكبريت (يستخدم كمادة عازلة) ومجموعة غازات الهيدروفلوركاربونات والبيرفلوركاربونات (تستخدم في العمليات الصناعية التي تحتاج إلى تبريد)، ودور تلك الغازات كدور الغازات الكربونية التي تحبس الحرارة المتصاعدة من الأرض في الغلاف الجوي، فتصبح نسبتها أعلى من المعدل الطبيعي.

الدراسات التي تؤكد على ارتفاع معدل الحرارة في 1880 درجة 1.2 تتوقع أن تزداد من درجتين إلى خمسة في حلول 2100، وينتج عن ارتفاع حرارة الأرض أكثر من معدلها تسارعاً في ذوبان الصفائح الجليدية والأنهار، ومن ثم ارتفاعاً بمستوى سطح البحر وغرق السواحل، وأحداثاً جوية عنيفة تشمل أعاصير وسيولاً وجفافاً وموجات حارة وباردة وحرائق غابات وحموضة محيطات وعواصف رملية وجليدية.

شاهد بالفديو: 8 حلول للحد من ظاهرة التلوث البيئي

كيف تؤثِّر تغيرات المناخ في صحة الإنسان؟

تؤثِّر التغيرات المناخية في صحة الإنسان بعدة أشكال تعد أخطر تهديد للصحة يواجه البشر، وأبرزها ما يأتي:

1. انتشار الأمراض القلبية والتنفسية:

تؤدي زيادة الملوثات في الهواء نتيجة انبعاث الغازات والأتربة والغبار إلى تفاقم الأمراض التنفسية، لأنَّها تؤثِّر سلباً في صحة جهاز التنفس والدوران فيصبح الإنسان أكثر تعرضاً للإصابة بالأمراض القلبية، ويكون الضرر أكبر على كبار السن والمصابين بالأمراض المزمنة كما يزداد التعرض للحساسية والإصابة بالربو.

2. الإصابة بالإنهاك الحراري:

كما تحدثنا آنفاً، إنَّ درجات الحرارة تزداد بشكل تدريجي وتزداد معها الإصابة بالإنهاك الحراري والذي تنتج عنه مضاعفات مختلفة تؤدي غالباً إلى موت المصاب به في حال لم يتم التعامل معه بشكل فوري، وهو خطر بشكل كبير على الأطفال وكبار السن، ومن أهم نتائج الإصابة به انخفاض إنتاجية الفرد.

3. تغيرات في صحة الإنسان النفسية:

تتأثَّر الحالة النفسية للفرد بشكل كبير بالمناخ والظواهر الطبيعية العنيفة، كالعواصف والفيضانات تتسبَّب في سوء الحالة النفسية، ومن ثم تؤثِّر في مختلف جوانب حياة الإنسان.

4. التسمُّم الغذائي:

يؤثِّر تعرُّض الغطاء النباتي لانبعاث الغازات الخطيرة والضارة سلباً في جودة المحاصيل الغذائية، وقد أدت التغيرات المناخية إلى نمو كائنات حية دقيقة تسبب أمراضاً مُعدية، ومن ثم تنتج عن التغيرات المناخية حالات تسمم غذائي متنوعة.

5. انتشار الأمراض بواسطة النواقل:

تنتشر عدة أمراض بوجود نواقل لها مثل الليشمانيا والملاريا وغيرها كثير، التي توفر لها التغيرات المناخية نواقل، فيسبب ذلك حدوث تغيرات عالمية وانتشار تلك الأمراض بسرعة يصعِّب السيطرة عليها، فمثلاً أدت التغيرات المناخية إلى توسع مجال البعوض والقراد بشكل كبير لتنقل معها كثيراً من الأمراض.

6. وفيات مباشرة:

تشمل التغيرات المناخية الفيضانات والأعاصير وغيرها كثير من الظواهر العنيفة التي تودي بحياة كثير من البشر، وأكثر الفئات ضرراً هم الأطفال وكبار السن في تلك الظواهر.

7. نقص الغذاء:

يتسبب ارتفاع درجات الحرارة وتغير مواعيد وأنماط هطول الأمطار وموجات الحر والجفاف والبرد في انقراض أنواع متعددة من الكائنات الحية سواء النباتية أم الحيوانية في المستقبل، ومن ثم سيتعرض الإنسان حتماً إلى نقص في الغذاء، وهذا سيجبره على الانتقال لمناطق أخرى يتمكن فيها من الزراعة، ويهدد ذلك صحته واستقراره النفسي والاجتماعي ويزيد من انتشار الأمراض الناتجة عن سوء التغذية.

إقرأ أيضاً: مخاطر التلوث البيئي وأهمية الحفاظ على البيئة

كيفية التخفيف من آثار التغيرات المناخية:

واجب كل منا اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة التغيرات المناخية بشكل يجعل تأثيرها أقل قسوة في صحة الإنسان، ومن الإجراءات الوقائية نذكر ما يأتي:

1. التحكم في أجهزة التدفئة:

لا تعتقد أنَّ أجهزة التدفئة قليلة الخطر على البيئة، فأثرها يشكل 10% من التلوث الكربوني؛ لذلك يمكن لتخفيض درجة الحرارة في الأيام الأقل برودة التقليل من أثرها السلبي، ويمكن الاعتماد على الطاقات البديلة كتركيب ألواح الطاقة الشمسية واستخدام عازل للسقف ليكون المنزل أكثر دفئاً.

2. التقليل من استخدام البلاستيك:

أخطار البلاستيك كبيرة، فإنَّه يُصنَع من النفط ويطلق الوقود الأحفوري عندما يتم حرقه، وللحد من خطره يُفضَّل تقليل استخدامه والتركيز على استخدام العبوات غير البلاستيكية كالزجاجية والكرتونية، فقابليتها للتدوير أكبر وأسهل.

3. استخدام المرشحات عند غسل الملابس:

لأنَّ الملابس مصنوعة من الألياف الصناعية معظمها وعند غسلها في الغسالة الآلية يتم إفراز جزيئات بلاستيكية مجهرية؛ لذلك يتم العمل على تطوير مرشحات لتقلل من تأثير تلك الجزيئات في البيئة.

4. تغيير شبكات الكهرباء:

أيضاً تساهم في الانبعاثات الكربونية؛ لذلك يُفضَّل الانتقال إلى شبكة صديقة للبيئة للتخفيف من الانبعاثات.

5. التركيز على النباتات في النظام الغذائي:

يرى بعض الأخصائيون أنَّ الحيوانات وخاصة الماشية تنتج الميثان، ومن ثم تساهم في الانبعاثات الملوثة؛ لذلك يجب تقليل الاعتماد على اللحوم في النظام الغذائي والتحول إلى تناول النباتات بكثرة.

6. استهلاك الماء باعتدال:

تستهلك شركات المياه الطاقة في عملية معالجة المياه وضخها؛ لذلك الاقتصاد في استهلاك المياه ومنع هدرها يقلل من عمليات المعالجة.

إقرأ أيضاً: 6 طرق هامة للحدّ من ظاهرة التلوّث البيئي

7. شراء الأطعمة المحلية:

يؤدي تسوُّق الأطعمة غير المحلية وزيادة الطلب عليها إلى زيادة الانبعاثات الكربونية الناتجة عن النقل والتخزين والتبريد؛ لذلك يمكن تسوق الأطعمة المحلية والاعتماد على زراعة بعض النباتات في شرفة أو حديقة المنزل.

8. الاعتدال في شراء الملابس:

يؤدي شراء كثير من الملابس ومن ثم التخلص منها عند تغير الموضة إلى زيادة الانبعاثات أيضاً؛ لذلك أحسنوا الاختيار واشتروا المنتجات المستدامة واستعينوا بخدمة تأجير الملابس في المناسبات بدلاً من الشراء.

9. زراعة الغابات:

تتعرض الغابات لكثير من التخريب نتيجة عوامل طبيعية أو غير طبيعية، ولأنَّ إزالة الغابات تتسبب بزيادة الاحتباس الحراري؛ فيجب التوجه نحو إعادة زراعتها وتنظيم حملات دائمة لهذا الهدف.

شاهد بالفديو: 10 طرق سهلة لتكون صديقاً للبيئة

في الختام:

يبدو أنَّ تغيرات المناخ ليست بالأمر البسيط ولا يمكن تجاهل الأمر، فسكان العالم في كل مكان هم في خطر، فتغير المناخ يفرض تحديات جديدة على مختلف الأصعدة، ومن أبرز مظاهر التغيرات المناخية الاحتباس الحراري سواء طبيعي المنشأ أم الناتج عن النشاطات البشري كزيادة حرق الوقود الأحفوري وإزالة الغطاء النباتي وتخليق الغازات الجديدة، فتنتج عن ذلك ظواهر طبيعية متطرفة وخطيرة، والتي تتسبب بأضرار جسيمة على صحة الإنسان.

تتسبب هذه الظواهر بزيادة انتشار الأمراض القلبية والتنفسية وزيادة انتشار الأمراض المنقولة وتغيرات في الصحة النفسية، كما أنَّ الظواهر العنيفة تؤدي إلى وفيات مباشرة، وعلينا جميعاً الاتجاه لما يخفف من الانبعاثات الكربونية كتغيير شبكات الكهرباء وتقليل الاعتماد على البلاستيك وزراعة الأشجار واستهلاك الأطعمة المحلية وتقليل شراء الملابس لتقليل رمي الملابس في النفايات.